دانيل موس: الدولار عملة استثنائية شئنا أم أبينا

الدولار لا يزال يشكّل عماد النظام المالي العالمي ويدخل في 90% من معاملات سوق الصرف الأجنبية

  • استمرار المكانة الاستثنائية للدولار لا يعني بالضرورة أن سعر صرفه لن يتغير بين الحين والآخر
  • أبرز تحديات الدولار تذبذب ترمب تجاه التحالفات وسعيه لإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي

عادت نغمة التشكيك في قوة الدولار إلى الواجهة مجدداً. بعد أداء لافت خلال السنوات الماضية، باتت المعنويات السائدة حالياً أقرب إلى القلق، لا حيال الآفاق قصيرة الأجل للعملة الأمريكية فحسب، وهي تقليدياً ما تتأثر بتوقعات النمو الاقتصادي، بل أيضاً بشأن متانة الدور الفريد التي اتسمت بها في التجارة العالمية منذ 1945 على الأقل.
لكن لا داعي لكتابة نعي للدولار، رغم أنها كُتبت في السابق وما لبثت أن تم التراجع عنها. لا يزال الدولار يشكّل عماد النظام المالي العالمي، إذ يدخل في نحو 90% من المعاملات ضمن سوق الصرف الأجنبية، التي تُقدَّر قيمتها اليومية بـ7.5 تريليون دولار.
استمرار هيمنة الدولار لا يرتبط فقط بانطباعات العالم عن من يحكم في البيت الأبيض في فترة ما، بل يتوقف أيضاً على ظهور بديل قابل للاستمرار يقدّم كل مزايا الأسواق المالية الأمريكية، من دون أن يُظهر سوى قدر ضئيل من العيوب الذاتية. في هذا الإطار، لا يبدو أن اليوان الصيني قريب من هذا المستوى بأي حال. لا يُفضل التسرّع في إعلان زوال المكانة الاستثنائية لأمريكا. فالدولار، الذي يُعد أحد رموز هذا التفوّق، لن يغادر بهدوء موقعه في قمة النظام النقدي العالمي.
وهذا لا يعني بالضرورة أن سعر صرفه لن يتغير بين الحين والآخر أمام اليورو أو الين أو الجنيه الإسترليني، تبعاً لتقلبات توقعات الأسعار وسوق العمل. (وقد تراجع مقابل العملات الثلاث خلال هذا الربع. مع كل ما يُؤخذ عليه، يبقى الدولار عملة لا غنى عنها. وأي تصدع في دوره المحوري سيُحدث زلزلة عميقة، ويُلحق ضرراً بالغاً بحاملي الديون الأمريكية في الخارج، وفي طليعتهم الصين واليابان ودول أوروبية رئيسية.

تحديات حقيقية أمام الدولار

تواجه العملة الأمريكية تحديات حقيقية في الوقت الراهن، على رأسها الموقف المتذبذب للرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه التحالفات، وسعيه لإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، إن لم يكن تفكيكه، إضافة إلى رغبته في التأثير على كيفية تحديد أسعار الفائدة.
يترقب العالم الإعلان عن رسوم جمركية واسعة النطاق خلال الأسبوع المقبل، في وقت تؤدي فيه قرارات الإدارة المتأرجحة بفرض رسوم على كندا والمكسيك إلى تقويض الثقة. مع تخلي ألمانيا عن تحفظها التقليدي تجاه سياسات التحفيز المالي، أصبحت التكهنات حول "مرحلة ما بعد الدولار" تحظى بشعبية متزايدة.
الأسبوع الماضي لم يكن رحيماً بالدولار. فقد أظهر استطلاع بارز أجرته "بنك أوف أمريكا" أن حيازة الأسهم الأمريكية تراجعت بأكبر وتيرة مسجلة على الإطلاق، فيما أعلن أحد كبار المحللين في البنك أن "حظ الأسهم" من الاستثنائية الأمريكية قد بلغ ذروته. أما باري آيكنجرين، أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا – بيركلي، وأحد أبرز الخبراء في تاريخ العملات، فقد كتب مقالة في "فاينانشيال تايمز" شكك فيها في الركائز الأساسية لهيمنة الدولار. وتشير بيانات لجنة تداول العقود الآجلة للسلع إلى تزايد الرهانات المتشائمة على الدولار.
كل هذا أعادني إلى أوائل العقد الأول من الألفية حين كنت أعمل في لندن مسؤولاً عن تغطية أخبار العملات لدى "بلومبرغ". كانت تلك أيام اليورو الأولى، حين بدا أن الأسواق مشغولة بالتضخم في العجز التجاري الأمريكي. وكان يُنظر إلى هذا المزيج كعامل مُهلك، إن لم يكن قاتلاً، للدولار. السائد آنذاك أن الثقة بالولايات المتحدة تضمحل، ولا سيما مع تزايد الاستياء من الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش وغزو العراق، الذي كان مثار استهجان واسع في أوروبا. بدا حينها أن أفول الدولار بات مسألة وقت بعد سلسلة من الإنذارات المضللة.

كيف أثبت التاريخ صمود الدولار؟

لكن ذلك لم يحدث. فالتاريخ حافل بأحداث كبرى قيل إنها ستُنهي هيمنة الدولار، ثم تبين أنها كانت أقل تأثيراً من ظنون البعض. من سقوط نظام "بريتون وودز" لسعر الصرف الثابت، إلى صعود اليابان والصين، وصولاً إلى أزمة الرهن العقاري في 2008. وعلى عكس المتوقع، كان الدولار غالباً ما يزداد قوة في الأوقات العصيبة، ولا يتراجع. غير أن هذا لا يعني الركون إلى الاطمئنان. فالهيمنة تُرافقها مخاطر جسيمة، بالقدر نفسه الذي تمنح صاحبها قوة هائلة.
كلما بدا أن الولايات المتحدة تعمد إلى شن حرب اقتصادية على خصومها وحلفائها على حد سواء، زاد الحافز لدى العالم للبحث عن بدائل. كما أشار آيكنجرين، فإن قوة الدولار ارتكزت بدرجة كبيرة على العلاقات التي نسجتها واشنطن عبر السنوات، والتزاماتها تجاه الشركاء، واستعدادها لاحترام سيادة القانون، واستقلالية "الاحتياطي الفيدرالي". وهذه الأسس بدأت تتعرض لضغوط فعلية.
لكن الذين يسعون لوراثة العرش أمامهم طريق طويل وشاق. فمكانة الدولار بوصفه "الأول بين نظرائه" تشكلت على مدى عقود، وتستند إلى سوق ضخمة وسائلة لسندات الخزانة الأمريكية، وإلى الامتداد العالمي للبنوك الأمريكية. كما أن للدولار دوراً مفرطاً في إصدار الفواتير والتسعير، فضلاً عن أن حجم الاقتصاد الأمريكي بحد ذاته يمثل ميزة هائلة.
ترقية عملة أخرى إلى مستوى النفوذ ذاته مهمة شبه مستحيلة. قال بول بلوستين، مؤلف كتاب "الدولار الملك: ماضي وحاضر عملة العالم المهيمنة"، في ندوة نظمها "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" الأسبوع الماضي: إن "مجرد التمني بأفول نجم الدولار لا يعني أن ذلك سيحدث".
أضاف بلوستين، الذي لا يخفي انتقاده لنهج ترمب، أن الدولار ليس فقط مهيمناً، بل مترسخ بعمق. بل إنه قال إنه يتمنى لو لم يكن الأمر كذلك، لأن هذا يمنح واشنطن القدرة على ممارسة التنمّر حتى على أقرب حلفائها، مثل كندا. وأردف قائلاً إن أمراً كارثياً حقاً هو ما قد يُطيح بجاذبية الدولار الأساسية.
قد يمر الدولار بعام ضعيف مقارنة ببقية العملات الكبرى، وقد يكون من الحكمة الاستعداد لركود محتمل، لكن الإطاحة بالدولار تحتاج إلى أكثر من مجرد نفور من الرئيس الأمريكي. يمكنك أن تبيع الدولار، وتراهن على هبوطه، لكن لا تسارع بالتحضير لجنازته.

خاص بـ "بلومبرغ"

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي