الإحصاءات العامة والأهمية التنموية
الإحصاء من سنن الخالق سبحانه وتعالى حيث يقول في محكم التنزيل ''أحصاهم وعدهم عدا''، ويقول سبحانه ''أحصاه الله ونسوه'' لهذا أخذت الإحصاءات المختلفة أهميتها على مر العصور، وهذه الأهمية تتزايد مع تطور الزمن، وتقدم المجتمعات، وتعقد الحياة الإنسانية، لذلك فقد اتجهت الدول المختلفة إلى القيام بالإحصاءات الدورية.
تقوم المملكة هذه الأيام من خلال المصلحة العامة للإحصاء بوزارة الاقتصاد والتخطيط بدراسة شاملة إحصائية للإسكان والمساكن تهدف إلى التعرف على عديد من الخصائص السكانية والإسكانية منها مثلا الجنس والعمر ونوع المسكن ومواد البناء ومدة الإقامة به والمستوى التعليمي ونوع التخصص والحالة الزوجية وطبيعة المهنة ونوع العمل وعدد المواليد والوفيات والإعاقة ونوعها، والتعرف على مدى توافر المرافق والخدمات العامة ووسائل النقل والترفيه وحجم الدخل والإنفاق وهذا يشمل السعوديين وغير السعوديين من مختلف الأجناس والأديان واللغات، هذه المعلومات تعد قاعدة معلوماتية مهمة لدعم التنمية الشاملة في المملكة، لأن التنمية تعد من أهم التوجهات التي تتداولها المجتمعات والأفراد، وهي السياسة التنموية الذي يسعى الكل لتحقيقها، وتهدف التنمية إلى تحقيق مستويات أعلى في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وآثارها العمرانية للوصول إلى مستويات جيدة من الرفاهية للمواطنين، ويتم ذلك عن طريق استثمار الموارد وتفعيل استخدامها من خلال نظرة راشدة توازن بين الحاضر والمستقبل، كما أن تحقيق التنمية ورفع معدلاتها لا يتحقق إلا من خلال دراسات علمية توضع في شكل استراتيجيات وخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل حسب حاجة المجتمع، وتأتي التنمية العمرانية بصفتها تعبيراً عن الواقع التطبيقي والملموس لمتطلبات الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لتنمية المجتمعات المختلفة كأهم مؤشر لمدى تطور هذه المجتمعات وتقدمها.
ومن نافلة القول إن إعداد الدراسات والخطط يعتمد بشكل كبير على توافر ودقة وصحة المعلومات والبيانات الإحصائية التي تمكن المختصين من استقراء الواقع ورسم المستقبل بدرجة عالية من الكفاءة والثقة. ولذا نجد أن مراكز المعلومات وأنشطة المسوحات البيانية، وإعداد التعدادات السكانية تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام المختصين، وتقوم المجتمعات باعتماد الميزانيات والمخصصات المالية لمثل هذه الأنشطة الإحصائية التي لا غنى لأي مجتمع عنها، حيث إنها أصبحت إحدى الدلالات الأساسية التي تعد على مدى تقدم الدول في نظم المعلومات.
وتتمثل أهمية المسوحات في المجتمعات في أنها الوسيلة الأساسية لرصد الظواهر المختلفة وتتبعها عبر الزمن، والكشف عن الخصائص والتغيرات التي تحدث لمختلف الأنشطة الإنسانية في المجالات المختلفة البيئية والطبيعية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية والتركيبة السكانية، كما أن للإحصاءات أهمية قصوى في متابعة التغيرات في المجالات المذكورة وهو الأساس للتخطيط للتنمية في المجالات المختلفة. وإذا كان التاريخ هو ظل الإنسان على الزمان فإن العمران هو ظل الإنسان على المكان والزمان معاً، ولرصد ذلك تظهر أهمية الإحصاءات للأنشطة العمرانية المختلفة، وفي عصر المعلوماتية التي تسود العالم والعولمة التي تقوم على قواعد المعلومات في المجالات المختلفة تكتسب الإحصاءات المختلفة أهمية كبرى بحيث لا يمكن قيام نظم معلومات دقيقة إلا من خلال المسوحات والإحصاءات الشاملة.
إن ما نحن في أمس الحاجة إليه اليوم هو وضع هذه المعلومات والإحصائيات في متناول جميع الجهات والباحثين وهذه نظرة الزملاء في المصلحة، ثم الاستفادة الحقيقية من الكم الهائل من المعلومات التي سوف توفرها هذه الإحصاءات لمختلف مناحي الحياة وهذا يقودني إلى طرح موضوع مهم نحتاج إلى إعادة النظر فيه وهو تفعيل مركز الدراسات الاستراتيجية أسوة بالكثير من الدول التي يقوم فيها مثل هذا المركز برسم السياسات العامة للدولة الداخلية والخارجية ويحدد أولويات التنمية ووضع الرؤية الوطنية التي تنطلق من التحديد للقضايا والمشاكل الأساسية التي تعاني منها مختلف المناطق بدلاً من الاعتماد على المقترحات والرؤى الشخصية وردود الأفعال لحوادث بسيطة والانتقال بجهودنا من جهود فردية تبدأ وتنتهي بالفرد إلى بناء مؤسسي متكامل بين مختلف الجهات والشركاء في القطاع العام والخاص والأهلي.
إن بقاء هذه المعلومات والإحصاءات رهن الأدراج أو أجهزة الحاسب الآلي أو الاستفادة الفردية منها سواء من القطاعات الحكومية أو الباحثين لن يجعلها مفيدة بالشكل الذي يمكن أن يعطي الخير للبلد بشكل عام، لذا فإن الأمر يتطلب الاستفادة منها وتوجيه القرارات التنموية في ضوئها من خلال مثل هذا المركز المتخصص والمهم وبهذا يكون دور مختلف الأجهزة هو رسم سياساتها وتفعيلها وتنفيذها في ضوء ما يرسمه ويحدده ويتابعه المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية.
وقفـة تأمــل:
''هي النفس ما حملتها تتحمـــل
وللدهر أيام تجور وتعـــدل
وعاقبة الصبر الجميل جميــلة
أحسن أخلاق الرجال التفضل
ولا عار إن زالت عن الحر نعمة
ولكن عاراً أن يزول التجمـل''.