تداخل المصالح ومحاربة الفساد

محاربة الفساد قضية شائكة ولا يمكن القضاء عليها وفقا للممارسات التقليدية التي يتم التعامل معها في الوقت الحاضر، والفساد صناعة يعمل عليها ومن خلال كفاءات إدارية متميزة، تميزها في معرفة النظام ودراسته ومعرفة كيفية اختراقه واختراق العاملين فيه بغض النظر عن مكانتهم السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية أو الإدارية, ويعتقدون أن كل منصب له ثمنه أو طلبه أو متطلبه, ولهذا لا يترددون أبدا في اختراق أي حاجز إداري مهما كبر أو صغر، ضاق أو وسع، منطلقين في ذلك من نظرية تداخل المصالح, على أساس أن كل مسؤول له مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في جهة أخرى سواءً كانت حكومية أو غير حكومية, أو ربما مصالح ذاتية.
لقد طور أصحاب الفكر والإدارة الفاسدة برنامجا إداريا متكاملا ينطلقون من خلاله من مفهوم المصالح المتداخلة ويعملون على تفعيل وغرس مفهوم أن كل مسؤول يجب عليه أن يراعي مصالحه الشخصية ثم مصالح إدارته عندما يحاول أن يقف في وجه الفساد ويعمل على محاربته، ولهذا يجعلون أغلبية المسؤولين يضعون السؤال التالي في الذهن عند الرغبة في الوقوف الجاد الصارم لمحاربة الفساد، هذا السؤال هو: ما الأثر السلبي الذي يمكن أن أتعرض له أو تتعرض له الإدارة التي أعمل فيها عندما أسعى نحو محاربة الفساد؟
والإجابة البسيطة المباشرة هي أن هناك أثرا سلبيا ربما على كليهما! هذا الاعتقاد الخاطئ من المسؤول هو ما يحاول المفسدون وأعوانهم المباشرون وغير المباشرين في استغلال واستثمار هذا الإحساس من الأثر السلبي عند محاربة الفساد.
نظرية تداخل المصالح وفقاً لمرئيات أصحاب الفكر الفساد ذات أثر سلبي عظيم عند الرغبة الجادة في محاربة الفساد، لأنها حقيقة تقف عقبة في وجه قيام بعض المسؤولين أو الإدارات المسؤولة عن المراقبة سواء المدنية أو العسكرية بتحقيق الضبط الإداري والمالي القوي الضامن لعدم مخالفة الأنظمة واستغلال الوظيفة للمصالح الشخصية أو سوء استغلال الوظيفة بما يؤثر بشكل مباشر في استثمار الأموال التي تخصصها الحكومة لتنفيذ المشاريع.
إن المراقب والمتابع لردود الأفعال العامة عن غياب الأثر الإيجابي المباشر للميزانيات التي تخصصها الحكومة سنوياً لتنفيذ عديد من المشاريع وأهمها مشاريع البنية التحتية وعدم تنفيذها بالشكل والوظيفة والوقت المطلوب يجعل عديدا من المواطنين يسألون أين الرقابة على تلك المشاريع والقائمين عليها, ثم يسألون هل حقيقة أن تلك المشاريع لا تنفذ وإنما تذهب أموالها إلى مصارف أخرى وربما إلى مصالح خاصة لبعض القائمين على تنفيذها؟
نظرية تداخل المصالح نظرية إدارية خطيرة, خصوصاً عندما تصبح الظروف والإمكانات الإدارية والمالية للأجهزة الرقابية لا ترقى إلى المأمول منها, فمثلاً يجد المسؤول أو العامل في تلك الأجهزة نفسه مضطرا للاتصال بفلان من الناس في المؤسسة الحكومية أو الخاصة ليطلب منه مساعدته على إنجاز مصلحة خاصة تتعلق به أو بأحد أفراد أسرته, وهذه المصلحة الخاصة ليست لمخالفة نظام وإنما لإنجازه بطريقه أسرع، هذا المسؤول العامل في الجهاز الرقابي يطرح على نفسه سؤالا: لو حرصت على مراقبة العمل كما يجب, وهذا المسؤول أو الموظف الذي أتصل به لا يقوم بعمله كما يجب كيف ستكون علاقتي به؟ وهل سيتعاون معي لإنهاء مصلحتي أم يجعل في طريقها ألف عقبة وعقبة؟ ومن هذا السؤال يدخل أصحاب نظرية المصالح المتداخلة لإقناع ذلك المسؤول الرقابي بعدم التشدد في الرقابة وإنما ترك مساحة للمصالح الخاصة أن تتحرك ويعطون المسؤول الرقابي العذر لأن يترك تلك المساحة من التسامح فيما لا يملك لتحقيق ما يحتاج من مصالح ومن هنا تزداد مساحة التسامح في مراقبة الأداء, ومعها ترتفع وتيرة الفساد ويتحقق الفساد والاستقرار الذي يبحث عنه ونفقد جميعاً ما نرجوه من وجود أجهزة رقابية قوية بالحق قادرة على حماية مصالح المواطن والوطن لا تأخذها في الله لومة لائم.
إن المسؤولين والعاملين في قطاع الرقابة والمراقبة المدنية والعسكرية يحتاجون إلى نظرة صادقة قوية عاجلة لإصلاح وضعهم الوظيفي واستقلالهم الإداري ودعمهم المادي ومنحهم الصلاحيات التي تساعدهم على محاربة الفساد وتحقيق الحماية لهم, والمملكة - ولله الحمد - تملك عديدا من الأجهزة الرقابية التي تحتاج إلى ذلك الدعم والاستقلال لتحقيق أهدافها, وفي الوقت نفسه تملك القيادة السعودية الأدوات الحازمة والرادعة لكل مسؤول أو موظف رقابي لا يقوم بواجبه بعد منحه الدعم والاستقلالية الإدارية والحماية، بارك الله في الجهود التي تعمل من أجل وطن سعودي الانتماء، عربي اللسان، إسلامي المعتقد وعالمي الطموح.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي