المملكة .. رؤية تنموية للمرحلة القادمة

لا يمكن أن تمر المملكة بفرصة تنموية، سياسية، إدارية شاملة أفضل مما نحن فيه اليوم, فخلال الأحداث المتلاحقة على المنطقة خلال السنوات الماضية واتخاذ المملكة عديدا من المواقف الداخلية والدولية الواضحة فيما يتعلق بمصالحها مع مختلف الشركاء, التي أكدت من خلالها أن هناك فرصة يمكن استثمارها بما يخدم توجهاتها, وأن الأحداث الجارية لا يمكن النظر إليها بالمنظار السلبي وإنما هناك في كل حدث فرصة لإعادة النظر وتقويم الأمور, وليس بالضرورة أن مثل هذه الأحداث ـ وإن كرهناها ـ تأتي فقط بكل ما هو سيئ وشر, وصدق الله القائل ''وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم''.
نحن اليوم نعيش مرحلة من النضج والوضوح في كثير من الجوانب التنموية والعلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية والدولية، فما يعطى من مساحة لإبداء الرأي يعد إنجازا جيدا من خلال وسائل الإعلام والحوارات المختلفة، كما أن التوجهات الإصلاحية في مختلف المؤسسات والهيئات والقطاعات والمناطق تعد نقلة نوعية، فإنشاء مجلس الشورى ومجالس المناطق والمحافظات والمراكز ودعم تكوين الهيئات الحكومية وغير الحكومية والاتجاه إلى تفعيل دور القطاع الخاص وتطوير الأجهزة الحكومية والاهتمام بمتطلبات المجتمع ومد يد المشاركة معه من خلال المجالس البلدية, ودعم نشر ثقافة المشاركة العامة والأخذ بمبدأ الانتخابات، والاهتمام بالأعمال الخيرية والتطوعية وتوجيهها لدعم متطلبات الداخل، والتحسن الواضح في توافر السيولة النقدية والوضع الاقتصادي والثقة الدولية بقدرة المملكة الاقتصادية ودورها الإيجابي في تحقيق التوازنات الدولية, وغيرها كثير.
إن ما تشهده المملكة اليوم من طفرة تنموية تعد الثانية خلال الـ 30 سنة الماضية ، كانت الأولى في بدايات الخطط التنموية الخمسية ومرحلة التحديث، كما اعتمدت تلك المرحلة على جهود فردية لرجال أخيار تم خلالها توجيه الاستثمارات والسيولة النقدية لجميع التوجهات, خصوصا التركيز على بناء البنية التحتية لكثير من المدن.
إن ما لوحظ على المرحلة الأولى مع حجم المنجزات هو غياب البرنامج التنموي المتكامل والتنسيق بين مختلف الجهات والمؤسسات العامة والخاصة، وتوجيه التنمية إلى المناطق وفقا للميزة النسبية لها وتوافق ذلك مع متطلبات المستقبل والأجيال القادمة.
لقد عزا كثير من المختصين ذلك إلى غياب الدور الفاعل لجهاز يقوم بالدراسات والأبحاث وتقديم المقترحات والحلول لأفضل البرامج والسياسات التنموية لمصلحة البلد في الداخل والخارج ويتابع الإنجاز ويعدل المسار ويصحح الخطأ ـ إن وجد.
لقد ركزت التنمية في المرحلة الأولى في الداخل على تنمية عدد محدد من المدن وفق تصنيف المملكة إلى ستة مراكز تنموية وطنية، على أن تقوم هذه المراكز بنشر التنمية بعد ذلك على المدن والقرى المحيطة بها، إلا أن ما حدث نتيجة غياب المتابعة والتقويم، هو استئثار عدد من تلك المدن بمجمل الفرص التنموية وتأخر أو ربما تخلف مدن ومناطق أخرى تملك من الإمكانات والفرص التنموية الكثير، ما جعل المدن التي وجهت إليها الإمكانات والفرص التنموية مدنا جاذبة للسكان, وأصبح نموها السكاني والمكاني العالي الذي يتجاوز في بعضها اليوم أكثر من ضعفي النمو الطبيعي للمملكة, وتحول أجزاء من بعض تلك المدن إلى أحياء عشوائية يتركز فيها كثير من المشكلات الاجتماعية والأمنية والبيئية, كما أصبحت تلك المدن تعاني الاختناقات المرورية والتلوث والنقص في المرافق والخدمات وغيرها كثير مما نعرفه جميعا ونعيشه يوميا في هذه المدن، كما أن هذه المدن مع استمرار نموها العالي والهجرة إليها تعاني وستعاني عديدا من المشكلات التنموية والإدارية والنفسية، وفي المقابل عانت وستعاني المدن والمناطق الأخرى ضعف ما يوجه إليها من الإمكانات واستمرار الهجرة منها والتهميش غير المبرر لها مع وجود القدرات التنموية فيها.
إن المقارنة بين المرحلتين ومتطلباتهما وإمكاناتهما وما هو متوافر لهذه المرحلة من فرص نجاح وإمكانات بشرية سعودية مؤهلة ومدربة مقارنة بالمرحلة الماضية تجعلني أعيد وأكرر أهمية الانتقال بالعمل التنموي في جميع النواحي في المملكة من الجهود الفردية مهما كانت قدرات الأفراد على العمل المؤسسي القادر على تحقيق الاستمرار التنموي والبناء الإيجابي بدلا مما هو حادث في بعض المؤسسات اليوم من محاولة البدء من جديد والتهميش والقضاء على الجهود السابقة مع كل فريق جديد يكلف بالعمل والمسؤولية، أو غياب الإحساس بالمسؤولية والمواطنة، والنظر إلى العمل في القطاع العام كضمان اجتماعي لا يتطلب العطاء والعمل الجاد.
لقد صدر عديد من القرارات والأنظمة والأوامر وتم إنشاء عديد من الهيئات ودمج وإلغاء بعض الوزارات والهيئات والنقل بينها، دون تفعيل حقيقي لبعض تلك الأوامر والقرارات أو تأخر تنفيذها لأسباب عديدة, وهذا الأمر لم يعد سرا وإنما كثر الحديث عنه.
إن كل ما ذكر سابقا وغيره من الأمور المعروفة لنا جميعا، إضافة إلى ما هو متاح اليوم من الإمكانات المادية والبشرية، يؤكد أن المرحلة القادمة تحتاج إلى الانتقال بالعمل التنموي والتخطيط للمستقبل من الجهود الفردية والآراء الشخصية وردود الفعل وجهود إطفاء الحريق، والعمل الفردي للمؤسسات والهيئات إلى النظرة الوطنية والرؤية الاستراتيجية والعمل المؤسسي.
إن كل ذلك لا يتم إلا من خلال إنشاء هيئة أو جهاز أو مركز للدراسات الاستراتيجية والتنموية والتخطيطية ذات رؤية وطنية ممثلة لجميع أطياف المجتمع وثقافاته، يكون العمل به معتمدا على أصحاب الفكر الاستراتيجي والرؤية الثاقبة والإلمام التام بإمكانات المملكة التنموية ووفق أهداف وطنية مرسومة بشكل واضح من السلطة العليا للدولة تشمل جميع مناحي الحياة الدينية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأمنية والدفاعية، هذا المركز يملك من القدرات والخبرات البشرية والصلاحيات التنموية ما يفوق أي إمكانات موجهة للأجهزة الحالية، يقوم هذا الجهاز برسم السياسة العامة للدولة وتحديد التوجهات التنموية المختلفة ويتابع إعداد وتحديث الاستراتيجيات والخطط التنموية والقطاعية وتحقيق التكامل بينها وفقا للرؤية الوطنية المعتمدة.
قد يقول قائل إن مثل هذا المركز أو الجهاز موجود في المملكة, وهذا الكلام صحيح, لكن كل ما هو موجود لا يرقى إلى المستوى المطلوب لمثل هذا المركز إما بسبب ضعف الإدارة أو المستوى الإداري وإما لأسباب أخرى كثيرة.
إن مثل هذا المركز موجود في عديد من الدول بأسماء مختلفة، لهذا فإننا في المملكة نحتاج إلى دراسة مثل هذه المراكز والاستفادة منها، ثم رسم الرؤية المطلوبة لنا. وأخيرا يقال إن الفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة وهاهي تأتي لنا في المملكة للمرة الثانية .. فهل نعي الدرس ونستفيد من الماضي وتجارب الآخرين؟ ولي عودة مرة أخرى لفكرة المركز ومتطلباته ومهامه ومسؤولياته والدور المطلوب منه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي