«أنسنة الرياض» تنعكس على روح المدينة

تلعب أمانات المناطق في المملكة دورا مهما في إدارة التنمية في مناطق ومدن المملكة، وأمانة منطقة الرياض، بجهود سمو أمينها المبرز، أصبحت في موقع القيادة بين أمانات المناطق في المملكة بلا منازع . وقد يكون أحد أكثر ما يميز هذه الأمانة هو برنامج أنسنة الرياض الذي تبنته الأمانة ووضعت له عديدا من البرامج والخطط والفعاليات التي انعكست بالفعل على روح المدينة خلال السنوات القليلة الماضية. ما فعلته الأمانة على سبيل المثال من إزالة لأسوار حدائق الأحياء أعاد الحياة لهذه الحدائق. فعاليات الأعياد والمناسبات أسهمت في خلق مناخ اجتماعي متفاعل بين سكان المدينة. تأهيل الطرق بشكل يخلق مساحات مريحة وآمنة للمشاة مبادرة رائعة رسخت دور التصميم العمراني الفعال في تفعيل استخدام الفراغات العمرانية من قبل جميع فئات المجتمع وليس ركاب السيارات فقط. كل البرامج التي وضعها سمو الأمين تستحق التقدير ورفع القبعة لجهود الأمانة، وترفع مستوى التوقعات والطموحات من جهاز على رأسه مثل هذا الرجل. وكلي أمل في أن تحذو بقية أمانات وبلديات المملكة حذو أمانة الرياض، لتكون كل مدن مملكتنا الحبيبة عنوانا للإنسانية. ولأني أعلم أن هذا الرجل يملؤه حرص كبير على جعل مدينة الرياض في مصاف المدن العالمية، ويتمتع بسعة صدر وانفتاح على الرأي بشكل منقطع النظير، فقد رأيت أن أتجرأ وأعرض هنا عددا من الرؤى التي يمكن أن تدعم توجه الأمانة في أنسنة المدينة، خاصة أن هذا التوجه يلمس مجالات الحياة في المدينة كافة، وليس فقط قطاع العمران. وأعرض فيما يلي هذه الرؤى بشكل موجز، تاركا لسمو الأمين وجهاز الأمانة اختيار الآليات الملائمة لتبني أي من هذه الرؤى ووضعها موضع التنفيذ.
إن السلوكيات الاجتماعية لسكان المدينة، أي مدينة، هي علامة مهمة لمستواها الحضاري. ويضم جهاز أمانة منطقة الرياض وحدة للدراسات والأنشطة الاجتماعية فيما يعبر عن وجهة نظر سمو الأمين حول أهمية هذا الجانب. ولكن مشكلة السلوكيات هي في الحقيقة مشكلة ملحوظة في حياتنا اليومية في مدينة الرياض. فعلى سبيل المثال، يشهد الرائي سلوكيات غريبة في التعامل مع مواقف السيارات في الشوارع التي تم تأهيلها من قبل الأمانة، بما يلغي فعالية هذا الجهد الكبير الذي بذل في تأهيل هذه الشوارع. والممارسات التي تعانيها بعض أخواتنا الفتيات من بعض فئات الشباب في طرق المشاة تثير الخجل والأسى، وتخلق لدى العامة خوفا متزايدا من مستوى الأمن الاجتماعي في هذه الطرق. وفي نظري، فإن مثل هذه الممارسات تحتاج من جهة إلى توعية تثقيفية، ونظام رقابي صارم من جهة أخرى، لأن السلوكيات الفاسدة يمكن أن تؤثر تأثيرا سلبيا ومدمرا حيال هذه الجهود الرائعة التي تبذلها الأمانة.
وفي معرض الحديث عن مواقف السيارات، فإن هذه القضية لم تجد حتى الآن أي مبادرة حقيقية للحل. فالازدحام الذي تشهده الطرق نتيجة الوقوف العشوائي أمر مزعج بحق. والمشكلة أن نظام التراخيص البلدية لم يأخذ في اعتباره حتى الآن طبيعة الاستخدام الذي يمكن أن يشغل أي فراغ تجاري أو مكتبي، وبالتالي كم السيارات الذي يستقطبه هذا الاستخدام. فالمبنى الذي يتم تأجيره لمعهد تدريب مثلا يتطلب كما من مواقف السيارات أكثر بكثير من المبنى نفسه فيما لو تم تأجيره لنشاط مكتبي. وبذلك تجد كثيرا من الازدحام الذي ينشأ تبعا لطبيعة النشاط، فتجد الازدحام على وجه الخصوص حول المطاعم والمراكز الطبية والمستشفيات ومعاهد التدريب. والحل في وجهة نظري هو في تطبيق مبدأ التصنيف الفرعي لاستخدامات الأراضي. فالموقع الذي يتم تصنيفه تخطيطيا كموقع تجاري لا بد أن يتم تصنيفه فرعيا لاستخدامات فرعية محددة، ويتم بالتالي تحديد متطلبات مواقف السيارات وغيرها من المتطلبات بناء على طبيعة تلك الأنشطة. كما أنه من الضروري تخصيص مساحات على الطرق التجارية ومناطق الازدحام لاستثمارها من قبل جهات متخصصة لبناء وتشغيل مواقف سيارات متعددة الأدوار وتشغيلها على أسس استثمارية كما هو متبع في كثير من المدن.
أنسنة المدينة يجب أن تنطلق من أنسنة الأحياء، باعتبار أن الأحياء السكنية تمثل الرقعة الأكبر من مساحة المدينة. وعليه، فإنني أتطلع إلى أن تتبنى الأمانة برنامجا لتأهيل أحد أحياء المدينة وفق اعتبارات الأنسنة، وخلق نموذج لما يجب أن يكون عليه الحي السكني النموذجي، وما يمكن أن يؤديه من تفعيل للروابط الاجتماعية بين سكان الحي الواحد، وتفعيل لدور المسجد ومركز الحي في هذا الإطار. ممرات المشاة الآمنة في الأحياء عنصر مهم في تقليل استخدام السيارة وزيادة الروابط الاجتماعية بين سكان الحي. أنظمة البناء التي تؤدي بالنتيجة إلى قيام أصحاب المنازل ببناء السواتر المعدنية التي تؤدي إلى تشويه مظهر الحي تفقد الحي إنسانيته ومبادئ الثقة بين السكان. عدم إلزام مطوري الوحدات السكنية بتخصيص جزء من مساكنهم لمواقف السيارات الخاصة داخل الوحدة يجعل من شوارع الحي غابة من السيارات المركونة على جنبات الطرق وتؤثر سلبا في إحساس المشاة بالأمان. أحد أهم عناصر اللاإنسانية في أحيائنا هي قضية النفايات، فصناديق النفايات الصفراء تتناثر في الطرق بشكل مزعج يؤذي البصر ويزاحم السيارات والمشاة ويعوق حركتها، خاصة عندما تمتلئ تلك الصناديق بالنفايات وتفيض على جنباتها مسببة تلوث البصر والرائحة للمارة. ماذا لو تم تخصيص غرفة للنفايات في سور كل منزل، ألا يحل ذلك مشكلة خروج الخادمات أو الأبناء من المنازل لإلقاء النفايات في تلك الصناديق الصفراء، أرجو بحق أن تقوم الأمانة بدراسة مشكلة النفايات على مستوى المدينة، علما بأن هذا الأمر لا يفرضه فقط الواقع الاجتماعي والتخطيطي للمدينة وأحيائها، بل يفرضه كذلك الواقع الاستثماري الذي يؤكد إمكانية تحقيق عوائد مالية كبيرة من تطوير آليات جمع وتصنيف وتدوير النفايات.
أرجو ألا أكون قد أثقلت على كاهل سمو الأمين، وأختم حديثي بأمر أجده مهما، وأجدني مضطرا إلى أن أنيطه بكاهل الأمانة، خاصة في ظل غياب كيان منظم ومراقب لشؤون العقار بوجه عام. فمدينة الرياض تشهد عددا من المشروعات التطويرية العقارية، وعدد من هذه المشروعات التي يقع بعضها على شوارع رئيسة ومهمة يعاني التعثر لسنوات طويلة. وانطلاقا من مبدأ أنسنة المدينة، وحفاظا على حقوق المواطن، أدعو سمو الأمين إلى لعب دور فاعل في مراقبة تطوير هذه المشاريع، ومنع أي ممارسات قد تؤدي إلى التلاعب بحقوق الناس في هذه المشاريع واستثماراتهم فيها، والتدخل بفعالية لمعالجة أوضاع ما هو متعثر منها، مذكرا بأن الخاسر الرئيس من تعثر أي من هذه المشاريع هو المدينة والمواطن وليس المطور العقاري، وليس أشد إضرارا بإنسانية المدينة من مشروع متعثر تهضم فيه حقوق الناس، وينتهي حفرة تجتمع فيها النفايات ومياه الأمطار، أو هياكل غير مكتملة تشوه المدينة وتثير الحسرة على استثمارات ضائعة، مستشهدا بكثير من التجارب التي شهدتها مدننا في الماضي القريب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي