«علم الاقتصاد» و«المذهب الاقتصادي» يتفقان في الموضوع ويختلفان في طريقة البحث والأهداف
برز "علم الاقتصاد" كعلم يتناول "تفسير" الحياة الاقتصادية، وأحداثها وظواهرها، والأسباب والعوامل التي تتحكم فيها.. أما الاقتصاد الإسلامي فليس علما؛ لأنه لا يبحث في النظريات وتفسير نتائجها، بل مذهبا، أي طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية، وحل مشاكلها العملية، بهدف تحقيق العدالة.
فعلم الاقتصاد، أو علم قوانين الإنتاج، كما العلوم الوضعية، يقوم على التشريع البشري، ويتنوع بتنوع الإيديولوجيا، واختلاف التقنيات، ويهدف إلى تحقيق الربح المادي، دون تقييم إنساني أو ديني للوسيلة، كما هو حال "المذهب الرأسمالي" و"المذهب الاشتراكي".
أما المذهب فيتصف بأنه: "الطريقة"، أو الأوليات التي تحدّد فكر ما، أو عمل ما، وتجعله مختلفا عن غيره من المذاهب الفكرية.. فالمذاهب تختلف باختلاف ما يذهب إليه الشخص ويعتقده صوابا ويدين به.. وتختلف، كذلك، باختلاف مصادرها، وباختلاف مفاهيم الناس لها، من دينية أو بشرية، وما يتبع ذلك من اختلاف في فنونها: فقهية أو لغوية أو علوم عقلية تجريبية، أو فلسفات، أو غير ذلك.. ويجب معرفة أنه لا يخلو إنسان، أو مجتمع، من مذهب ما يسير بموجبه، مهما اختلفت الحضارة، أو العقلية للشخص أو المجتمع، وذلك، تمشيا مع السُّنَّة الكونية، ومع ما جُبل عليه الإنسان الذي ميَّزه الله بالعقل، وحُب التنظيم والسيطرة على ما حوله، وابتكار المناهج التي يسير عليها..
إذاً، المذاهب تُنسب إلى الفكر الإنساني، وقد لا تستند في وجودها إلى الوحي الإلهي، فيُقال "الفكر الماركسي"، أو "الفكر الفلسفي اليوناني"، وغير ذلك من الأفكار التي تُنسب إما لمؤسسيها أو لبلدانهم أو لإيديولوجياتهم.. من هنا يتضح أنه إذا أطلق لفظ "الفكر" فإن المراد به هو ما يصدر عن العقل من شتى المفاهيم والمبتكرات الدنيوية، أي، نسبة إلى أفكارها التي تعتنقها، مبتكرة لها أو مقلدة، وقد انتشرت في العالم أفكار عديدة، مُحقَّة وباطلة، فأخذ الإسلام منها ما يتواءم مع عقيدته وحارب الباطل منها.
أما المذهب في الإسلام، فله صفتان: الواقعية والأخلاقية، ويعتمد في تبلوره على الإسلام: من وحي إلهي وتراث، وفكر وتجارب، وأقوال السلف وما وثَّقوه في مصادرهم من شروحات، وإن اختلفوا في مذاهبهم الفكرية، فالاختلاف في ديننا، القائم على معتقد واحد، رحمة.
الذي حفَّزني على كتابة هذا المقال ما واجهته من حيرة في التفريق بين: "علم الاقتصاد" و"المذهب الاقتصادي"، فهناك من يعتبر أن نوعية المجال الاقتصادي هو المحدّد.. بمعنى، إذا بحثنا في الجانب العلمي وقوانين الإنتاج قيل "علم الاقتصاد" هو المجال، وإذا بحثنا في توزيع الثروة قيل "المذهب" هو المجال، ومكمن الخطأ هنا: أن العلم والمذهب مختلفان، لا في موضوع البحث ومجالاته، بل في طريقته وأهدافه، فالبحث المذهبي يظل مذهبيا ما دام يلتزم طريقته وأهدافه الخاصة، ولو تناول الإنتاج وقوانينه.. كما أن البحث العلمي لا يفقد طبيعته العلمية إذا تكلم عن التوزيع، ودرسه بالطريقة والأهداف التي تتناسب مع طبيعته كعلم.. من هنا يتبين قصور النظر في اعتبار الفصل بين المهمتين الإنتاجية والتوزيعية معيارا كافيا للتمييز الحدي بين السمتين العلمية والمذهبية في الاقتصاد.
والصواب في التفريق بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي، كما يذهب الكثيرون، يتلخص فيما يلي:
أولا: إن "علم الاقتصاد" و"المذهب الاقتصادي" يختلفان في مهمتهما الأساسية: فمهمة العلم اكتشاف الحياة الاقتصادية وظواهرها كما توجد في الواقع، أما مهمة المذهب فتكمن في إيجاد طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية، وفقا لتصوراته العامة عن العدالة؛ فالعلم يعمل لتجسيد الواقع، والمذهب يعمل لتجسيد العدالة.
ثانيا: إن "علم الاقتصاد" و"المذهب الاقتصادي" يبحثان في الإنتاج والتوزيع معا ولا أساس للتفرقة بينهما - على أساس الموضوع - أي جعل الإنتاج موضوعا للعلم، والتوزيع موضوعا للمذهب؛ لأن العلم والمذهب يختلفان في مهمة البحث وطريقته لا في موضوعه.
ثالثا: إن قوانين علم الاقتصاد في الإنتاج تعبّر عن حقائق ثابتة في مختلف المجتمعات، مهما كان نوع المذهب الاقتصادي المطبّق عليها، أما قوانين علم الاقتصاد في التوزيع فهي تشترط وجود مذهب معين، بمعنى أن الاقتصادي يفترض مجتمعا يطبّق مذهبا، كالرأسمالية أو الاشتراكية أو الإسلام، ثم يحاول أن يكتشف قوانينه، وحركة الحياة الاقتصادية فيه.. بالتالي، يمكن لنا، كمسلمين، أن نفرِّق بين "علم الاقتصاد" وبين "المذهب الاقتصادي"، من خلال التفريق بين النقل والعقل.