ثمن تثبيت سعر الصرف

معروف أن دول مجلس التعاون الخليجي تتبع سياسة تثبيت fixing سعر الصرف، بالدولار أو مجموعة عملات. والتثبيت، أو ما يسمى أحيانا بالربط peg، يجعل اقتصادات الخليج تتبع السياسة النقدية للعملة أو العملات المثبتة بها. إلا أنه مع تغير الظروف، وعلى رأسها مرور دول المجلس بموجة ازدهار اقتصادي قوي، وانخفاض حصة النفط في الناتج المحلي، وحصول معدلات تضخم مرتفعة خلال السنين الأخيرة، يثير بعضهم تعديل سياسة ونظام الصرف، على نحو يساعد على كبح جماح التضخم.
لكن ما طبيعة التعديل في نظام سعر الصرف الحالي الثابت؟ هذه المقالة تركز على فهم أبعاد المسألة، وليس تبني نظام صرف بعينه، وبالمناسبة هناك نحو 9 أو 10 أنظمة صرف تتفاوت بين أعلى درجة من التعويم إلى أعلى درجة من التثبيت، كما هو الوضع في السعودية.
من المهم الانتباه إلى وجود تشابه بين دول المجلس في مدى تأثرها بحصول تغير في قيمة الدولار، وفي درجة اعتماد اقتصاداتها على إيرادات صادرات النفط (حيثما وردت هذه الكلمة فالمقصود النفط والغاز معا). وفي كل الأحوال تشكل صادرات النفط عنصرا أساسيا في الإيرادات العامة وفي إسهامه في الناتج المحلي. وكلما قل هذا الاعتماد، خفت آثار تثبيت أسعار الصرف.
من المهم فهم أنه ما من سياسة اقتصادية إلا ولها آثار مرغوب بها وآثار غير مرغوب بها، فالكمال لله سبحانه. وقوة الآثار تتغير بتغير الزمان أو المكان. وطبيعة المناقشة في علم الاقتصاد تتطلب النظر إلى كلا الأمرين، ولكن كثيرا من الناس لا يعجبهم هذا. وهذا مفهوم، فقد خلق الإنسان عجولا. وأغلب البشر يركزون في نظرتهم إلى الأمور على ما يتوافق مع رغباتهم.
تهدف البنوك المركزية الخليجية إجمالا إلى استقرار سعر الصرف واستقرار مستوى الأسعار. وهناك أهداف أخرى غير مباشرة كتحقيق النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. لكن تحقيق هدف بعينه له ثمن، ولا يمكن تحقيق الأهداف معا. مثلا لا يمكن الجمع بين استقرار سعر الصرف الاسمي واستقرار مستوى الأسعار. ذلك أن قدرة البنوك المركزية على استخدام سياسات نقدية للحد من التضخم محدودة تحت سياسة التثبيت الصارمة.
الحصول على سعر صرف مستقر عبر هذه السنين لم يأت دون ثمن. مثلا، كما ينظر كثيرون الآن إلى أن الريال مسعر بالدولار بأقل من قيمته اعتمادا على الظروف السائدة، فلنا أن نقول وتبعا للمنهجية نفسها، أن الريال كان في أوقات مسعرا بأعلى من قيمته، مع ظروف انخفاض أسعار النفط وارتفاع أسعار الدولار إبان عقد التسعينات مثلا. وحتى عندما خفضت السلطات النقدية السعودية سعر الصرف عام 1986، من 0.29 إلى 0.27 دولار تقريبا للريال (3.5 إلى 3.75 ريال للدولار) فالتخفيض كان أقل من الرفع السابق في أواسط عقد السبعينات من نحو 0.22 إلى 0.29 دولار للريال، (4.5 إلى 3.5 ريال للدولار تقريبا).
التسعير بالدولار لا يجبر الدول على استلام عائداتها بالدولار. تماما كما أن سابك تسعر منتجاتها بالريال، إلا أنه يمكن لها أن تستلم القيمة من بعض أو كل عملائها غير المحليين بعملات غير الريال. ويبقى الريال وحدة قياس.
لكن تتسبب الصدمات الاقتصادية كارتفاع أسعار النفط وانخفاض الدولار عادة في تغيير الظروف. وهنا أشير إلى أن التحليل الاقتصادي النظري والقياسي، يفرق بين تأثير الصدمة المؤقتة وتأثير الصدمة المستمرة. وهذا ما يتفق مع سلوكيات البشر التي نراها يوميا. مثلا، هل تنخفض أو ترتفع أسعار النفط خلال السنوات القليلة المقبلة بنسبة عالية، أكثر من النصف مثلا؟ هناك عوامل كثيرة مؤثرة، ولا أحدا لديه القدرة على التنبؤ بحركة هذه العوامل بثقة عالية. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي