ميزانية المملكة.. قراءة تأمينية لسياسة الإنفاق

حملت الميزانية العامة للمملكة للعام المالي 1434/1435هـ مؤشرات إيجابية عن أداء الاقتصاد السعودي، وهي تعد في الوقت نفسه الأضخم في تاريخ المملكة، حيث قدرت النفقات المالية بأكثر من تريليون ريال وذلك إذا ما أخذنا في الاعتبار أنه سيتم إنفاق 200 مليار ريال إضافية على مشاريع النقل داخل المدن والتي سيتم تمويلها من فائض الميزانية لعام 1433/1434هـ وفقاً لما صرح به وزير المالية. المؤشر الآخر الذي لا يقل أهمية عن ضخامة الميزانية هو أن هذه الميزانية جاءت معبرة عن سياسة الإنفاق السخي الذي تتبعه المملكة وتوظيف فوائض الميزانيات السابقة لدعم سياسة الإنفاق. كما أن هذا الإنفاق موجه للمجالات الحيوية التي تهم المواطنين لاسيما مجالات التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والنقل والخدمات البلدية، وهذا بلا شك سيؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة للمواطن والرقي بالخدمات المقدمة إذا ما تم توظيف هذا الإنفاق السخي التوظيف الصحيح من قبل الجهات التنفيذية المعنية بالصرف من بنود هذه الميزانية.
وإذا كان المعني بتوظيف بنود هذه الميزانية التوظيف الأمثل والصرف منها هي الجهات الحكومية المختلفة، إلا أن هناك جهات أخرى خارج القطاع الحكومي ستستفيد بشكل مباشر من هذه الميزانية من خلال مشاركتها القطاع الحكومي والعمل معه على تحسين مستوى الخدمات الحكومية المقدمة، فالقطاع الخاص هو شريك مهم للقطاع الحكومي في تحسين أداء خدماته وتلبية احتياجاته من خلال منظومة العقود الحكومية التي تمكن هذه الجهات من تطوير وتحسين اداء القطاعات الحكومية.
ويأتي قطاع التأمين كأحد أهم مكونات القطاع الخاص، وهو قطاع يستفيد منه الجميع سواء الجهات الحكومية أو شركات ومؤسسات القطاع الخاص أو حتى الأفراد العاديين. وذلك لأن التأمين يتميز بشمولية خدماته وتنوعها، فالقطاع الحكومي يحتاج إلى خدمات شركات التأمين لتغطية منشآته وخدماته بالتأمين ضد مختلف المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها، وذلك حتى لا تضطر الجهات الحكومية للصرف على هذه المخاطر عند حصولها من بنود ميزانياتها الخاصة وبالتالي قد يمثل لها هذا الأمر إعاقة عن المضي في خططها التنموية، وهذا الأمر ينسحب على القطاع الخاص والذي يحتاج إلى التأمين لتغطية كثير من المخاطر المرتبطة بنشاطاته الخدمية والتصنيعية. أما الأفراد فحاجتهم إلى التأمين تكون إما لتلبية متطلبات نظامية كالتأمين ضد حوادث المركبات أو لتغطية احتياجاتهم الشخصية كحاجتهم إلى التأمين الصحي أو التأمين على ممتلكاتهم أو تغطية مسؤولياتهم المدنية وما إلى ذلك.
ومما لا شك فيه فإن زيادة الإنفاق الحكومي سيؤدي إلى زيادة الطلب على قطاع التأمين سواء بالنسبة للجهات الحكومية أو القطاع الخاص أو حتى الأفراد، وبالنسبة للقطاع الخاص فإن قطاع المقاولات سيكون هو الأكثر طلباً للتأمين، ذلك أن هذا القطاع يعتمد بشكل كبير على تعاقداته الحكومية لاسيما في مجال الإنشاءات. والتأمين هنا هو تأمين إلزامي حيث يتوجب على شركات ومؤسسات المقاولات إبرام وثيقة تأمين تغطي مسؤولية المقاول العقدية والتقصيرية في حال وجود عقد حكومي، وبالتالي فإن قطاع التأمين على الإنشاءات هو القطاع الأكثر نموا واستفادة من الميزانية، وذلك مثلما استفاد من ميزانيات السنوات السابقة التي اعتمدت على الإنفاق لا سيما الإنفاق على المنشآت الحكومية. ولذلك فقد كان سوق قطاع التأمين على المنشآت محط أنظار واهتمام كثير من شركات التأمين العالمية. وقد حاولت هذه الشركات الدخول إلى سوق تأمين المقاولات السعودي ولو بشكل غير مباشر ودراسة المخاطر المرتبطة به، ولعل أهمها هو تأخر المقاولين عن تسليم المشاريع المسندة إليهم وانعكاس ذلك على التعويضات التي تدفعها شركات التأمين للجهات الحكومية بسبب هذا التأخير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي