«الحسبة» والجهات الحكومية.. شراكة وتحالف
البعض من الناس يخلطون بين الحسبة (بوصفها مبدأ شرعيا) والحسبة (بوصفها مؤسسة حكومية)، وهذا الخلط يزيد من حدة الجدل الشعبي، ويدعونا من باب الإنصاف إلى أن نفرق بين الاثنين.
فإن كنا نتكلم عن المبدأ، فإن الحسبة أو الاحتساب يقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولم يكن تعريفا ''المعروف'' و''المنكر'' طوال 14 قرنا محدودين كما الحال الآن. كان مفهوم ''الاحتساب'' في عهد الرسول - صلى الله وعليه وسلم - شاملا يعادل مفهومنا المعاصر لدور السلطة التنفيذية، حين تتقاسم جهاتها كالشرطة والصحة والتجارة والبلديات أدوارا حسب الاختصاص. أما إذا كنا نتكلم عن الحسبة كجهاز، فإنه أكثر الأجهزة الحكومية إثارة للجدل بين المواطنين والمقيمين في السعودية، وهذا الجدل لا يتعلق بـ ''الخدمات'' التي يقدمها، إنما بـ ''أسلوب'' بعض منسوبيه وطريقة عملهم وتعاملهم مع أفراد المجتمع.
إذن، لا خلاف على أهمية المبدأ، الخلاف فقط حول الجهاز الحكومي الذي يقوم بتطبيق المبدأ (سلامة المبدأ وربما خلل في تطبيق المبدأ).
لكن هناك ما يبشر بالخير ويساعدنا على تطبيق المبدأ بطريقة سليمة، فقد عكف الشيخ الدكتور عبد اللطيف بن عبد العزيز آل الشيخ الرئيس العام للرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منذ توليه، على تطوير الجهاز من خلال إجراء تعديلات إدارية وتنظيمية على مستويات عدة، واعتماد ضوابط للعمل الميداني الحسبوي (منع المتعاونين والمطاردات)، وإعادة تأهيل ''المحتسبين'' للتعامل مع الجمهور.
فالرئيس الذي جاهد لإحداث نقلات إدارية على جهاز الحسبة وثقافتها التنظيمية أكد في أحد لقاءاته أن رجاله ليسوا معصومين من الخطأ وليسوا ملائكة، وأنهم يخطئون ويصيبون، محذرا إياهم في الوقت ذاته من التعسف في استعمال السلطة، داعيا زملاءه إلى بدء مرحلة جديدة، وكسر حاجز الخوف والرهبة، وفتح علاقات مع المواطنين والمقيمين، وأن تكون ''الابتسامة'' عنواناً لرجال ''الحسبة''، مطالبا إياهم باتباع أساليب جديدة في علاقتهم مع المواطنين، كزيارة المرضى، والمشاركة في الملتقيات، وتوزيع الكتيبات والنشرات التوعوية على أفراد المجتمع.
وسيرا بموازاة هذه المبادرات الجديدة التي أطلقها الرئيس، نقترح رؤية قد تفيد في إدخال جهاز ''الحسبة'' في تحالفات مع أجهزة حكومية تمارس وفق اختصاصها شكلا من أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فماذا لو تحالف جهاز ''الحسبة'' معها:
• مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، تخيل كيف سيأمر هذا الجهاز الناس بالنزاهة وينهى عن الفساد الإداري والمالي.
• مع الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، تخيل مدى التنظيم الذي سيظهر على الحرمين، حين نحظى بالصلاة في أطهر البقاع - خاصة في المواسم - دون نشل أو تدافع أو إصابات.
• مع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، تخيل كيف سيسخر رجال الحسبة جهودهم في الإشراف على طباعة كتاب الله وتوزيعه وتشجيع الناس على حفظه وفهمه وتفسيره.
• مع وزارة التجارة (حماية المستهلك/مكافحة الغش التجاري)، تخيل كيف سيأمر هذا الجهاز بالأمانة في التجارة ويراقب الأسعار وينهى عن الغش والتلاعب بالمكاييل والتقليد وجميع البيوع المحرمة.
• مع جهاز الشرطة، تخيل كيف سيفرض هذا الجهاز النظام ويأمر بالصلح والتعايش وينهى عما يعكر السلم والاستقرار.
• مع مكافحة المخدرات، تخيل كيف سيحمي هذا الجهاز عقول شبابنا وبناتنا ويمنع عنهم المخدرات التي صارت تفتك بهم.
• مع الجمارك، تخيل كيف سيحمي هذا الجهاز أسواقنا من التالف والضار والممنوع.
• مع حرس الحدود، تخيل كيف ستكون قوة هذا الجهاز الجديد في حماية حدودنا من المخالفين والمتسللين.
• مع المرور، وتخيل كيف سيحمي هذا الجهاز أبناءنا من جنون السرعة ويأمرهم بالسياقة الآمنة وينهاهم عن السلوك المروري السيئ.
• مع الجوازات، ولك أن تتخيل كيف سنتخلص من العمالة السائبة التي تسرح وتمرح في البلد ويدير بعضها أوكارا للرذيلة والقمار وتصنيع الخمور.
إن جهاز الحسبة لا تلزمه حملة دعائية أو تسويقية لتحسين الصورة الذهنية (السلبية) عند بعض أفراد المجتمع، إنما يحتاج إلى مبادرات تعيد بناء الثقافة التنظيمية (تأهيل البشر للتعامل مع البشر). لو أن هذا التغيير حدث، ستتغير معها إيجابيا نظرة الكثير إلى هذا الجهاز، ويقتنعون بضرورته بدلا من أن يطالبوا بإلغائه.
تخيل مثلا لو أن رجال الحسبة يبتسمون للناس ويمازحون الأطفال ويناصحون الشباب والفتيات باللين، ألن يهدأ ''الجيل الجديد'' من حالة التوتر والاحتقان التي لا يجدون منفسا لتفريغها إلا في الشارع؟ ماذا لو كان رجال الحسبة مدربين على الإسعافات الأولية وإغاثة المصابين، ألن يغير هذا من ''النظرة الاتهامية'' بأنهم وراء وقوع الحوادث من جراء المطاردات؟ ماذا لو كان رجال الحسبة يحثون أصحاب المحال على الصدق والأمانة، أليس هذا أولى من قسرهم على إقفال المحال وإجبارهم على الصلاة؟
ماذا لو كان رجال الحسبة يوزعون الورود على الناس في العيدين واليوم الوطني ويرسلون لهم رسائل التهنئة، ألن يغير هذا من النظرة بأن رجال الحسبة يصادرون الورود الجميلة ويفتشون أجهزة الجوال؟ ماذا لو كان رجال الحسبة يوزعون الوجبات على المحتاجين، ألن يغير هذا من صورتهم حين يدهمون مطعما للتحقق من هوية ''أم العيال'' التي تزوجتها على كتاب الله وسنة رسوله؟ وماذا لو تزود ''أسود الحسبة'' - بجانب العلوم الشرعية - بقدر كاف من العلوم الإنسانية (خاصة علمي النفس والاجتماع)، فهل سيتفاخر أحد منهم بعدئذ بـ ''الستر'' أم بعدد الحالات التي ألقى ''القبض'' عليها في يوم واحد؟
جهاز الحسبة جهاز حكومي، وموظفوه موظفون حكوميون (ليسوا معصومين من الخطأ وليسوا ملائكة كما قال رئيس الحسبة). ويجب على هذا الجهاز أن يعيد بناء نفسه، أسوة بغيره من الأجهزة الحكومية التي تمارس دورها ''الحسبوي''. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم ُيفرضا بالقوة الجبرية في العصور الذهبية للإسلام، بل كان بالحسنى. علينا أن نتطور لأن عجلة الحياة لا ترحم، ومن الأفضل أن نبادر إلى التغيير بأنفسنا قبل فوات الأوان. فكما قال الرئيس ذات مرة إن العالم وصل لصناعة الطائرات، ونحن نخرج امرأة من السوق لأن في أصابعها ''مناكير''!