نحو اختلاف.. بائتلاف

يخطر في ذهني سؤال حاد، كحدة مجتمعنا تجاه مضمونه! ترى لماذا تتعسر ولادة الرأي الآخر في مجتمعاتنا، إلى الحد الذي يجعل مصير الجنين ومستقبل حياته في خطر؟! الجنين هنا "فكرة" أو "رأي"، ربما يكبر فيغير المجتمع، ويطور كل ما حوله! ولكنه مع الأسف يُجهض قبل الولادة أصلا!
يقال: "إذا أردنا أن نختبر ثقافة وتحضر أي مجتمع، فلننظر إليه عند الاختلاف!". ماذا لو أردنا أن نطبق هذه الفرضية على مجتمعاتنا؟ مع الأسف سيبدو المشهد محتقنا بما يدعو للقلق. ويكفي أن نلقي نظرة على حالنا مع "المسائل الخلافية"، أو "التوجهات الفكرية"، بل حتى "الوسط الرياضي"، لتخبرنا عن الواقع المرير! الواقع الذي جعل اختلاف الرأي لدينا ـــ مع الأسف ـــ يفسد كل قضايا الود ويحول "الاختلاف" إلى "خلاف"!
ابتداء يجب أن ننظر للاختلاف على أنه ظاهرة صحية، توسع آفاق معرفتنا. وأن نتعاطى مع الفكرة نفسها كرافد إثرائي ومعرفي، يقوي المجتمع ولا يضعفه، متى ما تم التعامل معه بما يجب. كما أن استيعاب هذا الأمر وإدراكه، منطلق مهم لما يلي ذلك من آليات التعامل. فالاختلاف سنة الحياة، وهو من الأمور المفضلة التي تعد مصدرا للإبداع والتفكير خارج الصندوق، حيث إن "الإبداع" في أساسه يكمن في "الخروج عن المألوف".
ولو نظرنا إلى "ثقافة الاختلاف" من زاوية إدارية، فإن الإدارة العامة ترى أن الخلافات الحيوية والمنضبطة، هي الوسيلة المثلى للوصول إلى القرارات الصحيحة، إذ إن تنوع الأفكار وتلاقحها، ووجود اتصال واعٍ، ومناخ ودي بين الموظفين، كل ذلك يشجع على المناقشة والتعبير عن الأفكار بحرية.
وأما ما يسمى بـ "تفكير القطيع" groupthinking، والذي يكون نتيجة وجود قدر كبير من التشابه والانسجام بين الأشخاص، فلا يولد إلا حلولا وسطى قاصرة. كما أنه يمحور الخلاف حول الأشخاص، وليس حول الأفكار. فتتولد حوارات على شاكلة "سم طال عمرك" و"المدير أبخص". حيث تكون الآراء متسقة ومجمعة على رأي "صاحب النفوذ". وحتى إن وجد أي عضو لديه نزعة للاختلاف في الرأي، فإنه ينظر إليه كشخص "شاذ فكريا"، وباحث عن المشاكل. ولن يجني من آرائه سوى "التهميش" مستقبلا، بل أحيانا سلب الحقوق والالتزامات الأساسية.
ومن هنا ظهرت مفاهيم إدارية عدة، كالإدارة بالمشاركة، والقيادة الديمقراطية، والتي تتمحور فكرتها حول إشراك الموظفين في صنع القرار، بما يحقق الحيوية لعمل المنظمة. حيث يشعر الجميع بأنهم يعملون بقيمة معرفية، ويساهمون في صناعة مستقبل المنظمة، الأمر الذي يدفعهم لمزيد من الإنتاجية. وهذه المفاهيم لا يمكن أن تُطبق بنجاح في منظمة معينة، ما لم تكن مستوعبة ومستعدة تماما لتقبل اختلافات الطرح والرؤى، التي ستظهر من خلال فتح مجال المشاركة في صنع القرار.
وسواء كانت النظرة للاختلاف إدارية أو اجتماعية، علينا أن ندرك أن لدينا مشكلة حقيقية، يجب على المؤسسات الرسمية أن تستنفر طاقاتها للعمل عليها. فالمدرسة والأسرة والجهاز الحكومي في تنظيمه الداخلي، يجب أن يحسن التعامل مع "الاختلاف"، بالقدر الذي يشيع الإبداع المعرفي والإنتاج للمؤسسات، ويجعلنا ننتقل بالمجتمع ومؤسساته إلى مصاف التحضر والرقي الأولى.
وختاما، تأملوا بعمق في قوله تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي