«ميتا - فيرس» عالم التحول .. وتوجهات المستقبل

مصطلح "ميتا - فيرس Metaverse" بات متداولا على نطاق الواسع، وهو يتضمن جزأين: الجزء الأول، "ميتا Meta"، ويعني "ما بعد أو ما وراء" الأمر المطروح، أو ليعني "التغير أو التحول" في هذا الأمر. أما الجزء الثاني، "فيرس Verse"، فهو اختصار لكلمة "يوني-فرس Universe" التي تعني "العالم".

لذلك اخترنا أن نترجم مصطلح "ميتا - فيرس" إلى العربية بتعبير "عالم التحول". ولهذا العالم تعريفات تعطي مضامين محددة ترتبط به، لكنه في الوقت ذاته يعبر، من حيث المعنى العام الذي يعكسه، عن طبيعة العالم الذي نعيش فيه، أي عن التغيرات والتحولات التي شهدها ويشهدها هذا العالم، وهي تلك التي تتمتع بتأثير فاعل في حياة الإنسان أينما كان.
ولا شك أن من يذكر كيف كانت حياة الإنسان، في مطلع الألفية الميلادية الثالثة، يرى أن هناك فروقا كبيرة قد حدثت بين الأمس واليوم. ويتمثل ذلك، بصورة خاصة، في تطور الخدمات المعلوماتية، وتطبيقاتها الاجتماعية والمهنية.

وأدى هذا التطور، إضافة إلى تطورات أخرى، إلى بروز ما بات يعرف بالثورة الصناعية الرابعة، فضلا عن التوجه نحو الخامسة أيضا. بذلك أصبحنا نعيش في عالم يشهد تغيرات متسارعة، لم تكن قائمة بهذا الشكل قبل ذلك.

وعلى هذا الأساس، يبرز مصطلح "عالم التحول" مؤكدا طبيعة عالم هذا العصر، ومحددا مضامين وتطورات معرفية قائمة ومتسارعة نحو عالم متجدد، يقدم معطيات غير مسبوقة تؤثر في حياة الإنسان.
هناك تعريفات متعددة "لعالم التحول: ميتا-فيرس" تبرز معالمه التقنية وتطبيقاته، ومسيرته نحو المستقبل. وبناء على هذه التعريفات، يستند هذا العالم إلى "الإنترنت" كبنية أساسية، وهو بذلك مثيل للعالم السيبراني.

ومصطلح "السيبراني Cybernetic" تعبير يوناني الأصل، غزا مختلف لغات العالم، معبرا عن التطبيقات المعلوماتية الكثيرة التي بنيت على الإنترنت لتكون متاحة على نطاق واسع، مثل الحكومة والتجارة الإلكترونيتين، وشبكات التواصل الاجتماعي، وغيرها. وأضاف عالم التحول، إلى هذه التطبيقات، تطبيقات أخرى أكثر تعقيدا تتمثل، بصورة خاصة، في تطبيقات "الحقيقة الافتراضية Virtual Reality: VR"، وما يرتبط بها.

وتعطي مثل هذه التطبيقات خدمات جديدة في شتى المجالات، كما سنبين، فيما سيأتي من هذا المقال.
يمكن النظر إلى عالم التحول، على أساس ما سبق، على أنه عالم مضاف إلى العالم السيبراني، يشاركه الاستناد إلى الإنترنت، ويقوم بتمكين تطبيقات جديدة، تحمل صفات خاصة تتميز فيها عن تطبيقات العالم السيبراني المتاحة حاليا.

وتشمل هذه التطبيقات قدرات تمكنها من بناء نماذج افتراضية ثلاثية الأبعاد في مختلف المجالات، لتقدم من خلال ذلك عالما افتراضيا يتمتع بمعطيات مفيدة ومتطورة، توضع في خدمة الإنسان، عبر وسائل متجددة تشمل تمكين التعامل مع الحقيقة الافتراضية والاستفادة منها.

وبالطبع ستحتاج الإنترنت، كبنية أساسية ممكنة لتطبيقات كل من العالم السيبراني وعالم التحول، إلى مزيد من السعة والقدرة على استيعاب بيانات التطبيقات العابرة خلالها.
ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى مبدأ "التصوير العلمي Scientific Visualization" الذي تستند الحقيقة الافتراضية إليه. يقضي هذا المبدأ بتحويل البيانات المعبرة عن أفكار أو حقائق علمية إلى أشكال وصور تبرزها للإنسان، وكأنها واقع يستطيع مشاهدته والتفاعل معه، وذلك عبر إجراءات مبرمجة ومنفذة حاسوبيا.

وهناك لغات حاسوبية خاصة لذلك تشهد تطورا مستمرا، يعزز دور التصوير العلمي في بناء تطبيقات الحقيقة الافتراضية في مختلف المجالات.
تقوم تطبيقات الحقيقة الافتراضية، تبعا لما سبق، على محاكاة الواقع الفعلي، موفرة للإنسان واقعا افتراضيا بديلا يستطيع التفاعل معه عبر وسائل مختلفة، والحصول من خلال ذلك على معطيات مفيدة. تجدر الإشارة هنا إلى أن تطبيقات الحقيقة الافتراضية أفرزت حالة خاصة لها تعرف "بالحقيقة المضافة Augmented Reality: AR".

وتشمل هذه الحالة نماذج حاسوبية تقدم بيئة مصورة تدمج بين جانب حقيقي من جهة وجانب افتراضي من جهة أخرى.
تقدم الحقيقة الافتراضية تطبيقات في مختلف مجالات الحياة.

ومن ذلك تطبيقات في مجال التعليم والتدريب، بما في ذلك "التعلم مدى الحياة LLL" في الحقول العملية المختلفة، حيث تسمح بالتعلم العملي عبر توفيرها بيئة من الحقائق الافتراضية التي تؤدي إلى تمكين ذلك.

وهناك أيضا تطبيقات مختلفة في المجال الصحي، وفي مجال العمران، ومجال التسويق، والمجال العسكري، ومجال الفضاء، إضافة إلى مجالات الترفيه المختلفة، وغير ذلك من مجالات.
يرتبط كل من العالم السيبراني، وعالم التحول، بأمرين مشتركين مهمين يجب إبرازهما. وهذان الأمران هما الإنترنت من جهة، والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى. إذا بدأنا بالأمر الأول، نجد أن الإنترنت هي البنية الأساس الممكنة للتطبيقات المعلوماتية وانتشارها والاستفادة منها على نطاق واسع.

ولا بد مع زيادة هذه التطبيقات، والتوجه نحو تفعيل انتشارها عبر الإنترنت، من العمل، بشكل مواز، على تحديث الإنترنت وزيادة سعتها من أجل تمكين التطبيقات من الانتشار المطلوب سواء كليا لجميع النافذين إلى الإنترنت، أو جزئيا ضمن قطاع محدد منها.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو العقل الذكي الذي يستطيع أن يرتقي بجميع التطبيقات، سواء المألوفة لدينا الذي يقدمها العالم السيبراني، أو الأحدث منها الذي يعطيها عالم التحول وخدمات الحقيقة الافتراضية وما يرتبط بها.

ومن المتوقع أن يشهد المستقبل، بمشيئة الله، تطورا في إمكانات الإنترنت من جهة، وتقدما يرتقي بذكاء التطبيقات المختلفة من جهة أخرى.
لا ينفصل عالم التحول، بتطبيقاته المختلفة، عن هويته الأصلية، التي تضعه بكل إمكانات الحقيقة الافتراضية فيه، مع عالم الإنترنت والعالم السيبراني، بل الذكاء الاصطناعي وتطوره المتنامي أيضا، في إطار ما يمكن أن نقول عنه "العالم الرقمي".

وليست ملامح هذا العالم ثابتة، بل إنها ملامح متغيرة، تتحول باستمرار باحثة، بلا حدود، عن مزيد من التطبيقات والخدمات، في مختلف المجالات. ولا شك أن مسيرة تقدم العالم السيبراني، وتطور عالم التحول، بجوانبها المختلفة، تدعونا جميعا، ليس فقط إلى متابعة ما يجري على أرض الواقع، بل إلى العمل على الإسهام فيه أيضا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي