أمريكا والنظام العالمي الجديد

جاءت إدارة ترمب بنظرة جديدة أوسع مما تعودنا عليه من سياسات مختلفة جزئيا لكل إدارة، ولكن هذه الإدارة وسعت دائرة الطرح من ناحية، وركزت على مركزية المصلحة الأمريكية في نماذج علاقاتها السياسية الاقتصادية والتجارية والمالية من ناحية أخرى. من أشمل ما قرأت في الموضوع ورقة بحثية طويلة كتبها ستيفن ميران، بعنوان: دليل المستخدم لهيكلة النظام التجاري العالمي، في نوفمبر العام الماضي والذي أصبح رئيس فريق الاستشاريين الاقتصاديين في إدارة ترمب. نظرا لتعقيد وتشعب الموضوع سأطرحه على عمودين، الأول: سأستعرض أهم الركائز في طرحه، لأنه قريب من الإدارة، والثاني: محاولة للخلاصة والنقد، خاصة ما يتعلق بالمخاطر ذات العلاقة للمستثمرين في الأوراق المالية الأمريكية والدولار. مرحليا المهم معرفة نموذج وتوجهات السياسات، لأن الأرقام ستتغير حسب المفاوضات والتفاعل مع الأخبار.
أولا: ارتفاع الدولار المستمر مقابل العملات الرئيسية الأخرى سبب لعدم التوازن التجاري، وبالتالي العجز التجاري لأمريكا، حيث تصبح الواردات أقل تكلفة لأمريكا، والصادرات أعلى سعرا للمستوردين منها. يرى أن سبب ارتفاع الدولار جاء بسبب دوره عملة الاحتياط العالمية، حيث نحو 59% من الاحتياطيات المالية العالمية بالدولار. وهذا بدوره قوض التصنيع، وبالتالي الأجور المتوسطة، وأسهم في سوء توزيع الأجور والدخل في أمريكا بنتائج مجتمعية وسياسية. يستشهد بمفارقة Triffin ، التي تقول إن عملة دولة الاحتياطيات المالية ستكون مرتفعة، ما يسبب استمرار العجز.
ثانيا: توظيف الرسوم الجمركية لإعادة التوازن التجاري، وليس بالضرورة مصدرا للإيرادات، ولكن أيضا وسيلة ضغط لإعادة التوازن. يستشهد بتجربة أمريكا مع الصين في 2018-2019، حيث استطاعت أمريكا فرض ارتفاع قيمة اليوان الصيني دون تضخم في أمريكا، لأن المصنعين الصينيين استطاعوا التعامل مع ارتفاع التكلفة.
ثالثا: التداخل بين التعريفة الجمركية وسعر الصرف، يرى ستيفن أن ارتفاع التعريفة سيعادل تأثير الانخفاض في قيمة الدولار، وبالتالي التأثير التضخمي سيكون محدود 1- 6.%. هذه الجزئية معقدة لأن الجمارك قد ترفع الدولار قبل خفضه لاحقا.
رابعا: الربط بين التجارة والاستثمارات المالية بما في ذلك الاحتياطيات والأمن القومي، يرى أن الدخول للسوق الأمريكي يمر من بوابة المصالح التدرجية بما يخدم الأمن القومي، بما في ذلك المشاركة في تكلفة الدفاع والمال مقابل الحماية، فمثلا يرى أن بعض البلدان يمكن أن تحول أوراقها المالية إلى سندات طويلة الأجل، وربما بعوائد أقل مقابل تسهيل الحصول على الدولار وقت الحاجة.
خامسا: استمرار سيطرة الدولار مع بعض التعديلات، ففي الوقت نفسه الذي يعترف فيه بأن ارتفاع الدولار سبب رئيس للخلل في الميزان التجاري، يريد استمرار دور الدولار، لأنه مركزي في منظومة الأمن القومي، فمثلا دور نظام المدفوعات وقدرة أمريكا على الحظر وحجز الأموال. طرح فكرة احتمال رسم على السندات يختبر بالتدريج لقياس التوزان بين استمرار و توقف الاستثمار فيها من قبل الأجانب.
سادسا: انعاش التصنيع والوطنية الاقتصادية، أحد أهم الأهداف لاسترجاع دور أمريكا في الصناعة التي هجرت أمريكا، بسبب اختلاف التكلفة وسلاسل الإمداد، خاصة بعد نهضة الصين ودخولها منظمة التجارة الدولية واتفاقية التجارة المفتوحة مع المكسيك وكندا. يفترض أن إعادة التصنيع سترفع أجور طبقة كبيرة تحولت لاقتصاد الخدمات منخفض الأجور بما في ذلك من قيمة سياسية واجتماعية.
سابعا: الحد من المخاطر وتذبذب الأسواق، فبما أن هناك مخاطر من التضخم والانتقام (مثل ما ذكرت الصين و كندا و آخرون) لا بد من أدوات مثل خفض الضريبة، وجدول للتعريفة معروف مقدما، لكي تتمكن الشركات من إدارة أوضاعها بالسلامة، والتعاون مع البنك المركزي في نسب الفائدة بهدف الاستقرار الاقتصادي.
يطمح ترمب إلى منظومة معقدة تبدأ بالرسوم، وتنتهي بترتيب جديد للنظام العالمي، خاصة دور الدولار، يتخللها محاولة توازنات دقيقة وتصرفات الآخرين والتذبذب، كما شهدنا أخيرا في الأسواق والمخاطر المالية، بما في ذلك محاولة إدارة العجز والدين العام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي