بناء الخبرة بين الأفقية والهرمية في الإدارة
شهدت السعودية في السنوات الماضية نشاط في خلق الوظائف الجديدة على وجه العموم وفي كل المسارات الوظيفية العامة، شبه الحكومية، الخاص والقطاع الغير ربحي وهذا يتوافق مع الضرورة لتعزيز دور النشاط الاقتصادي في صنع وظائف جديدة في النشاطات الحالية وفي دعم البيئة الاقتصادية كاملة للتأسيس لقطاعات اقتصادية جديدة تعزز تنويع قاعدة الاقتصاد والدفع لخلق سوق نشط في صنع الوظائف لاحتضان مجتمع تغلب على شرائحه العمرية فئة الشباب.
منذ كورونا تمكن الاقتصاد السعودي من خلق أكثر من 700 ألف وظيفة، هذه النشاط في سوق الوظائف خفض نسبة البطالة الكلية في السعودية إلى 3.3% وخفض نسب البطالة ببين السعوديين إلى 7.1% مستبقا أحد أهداف الرؤية 2030 وبالمقارنة مع 11.6% عند إطلاق الرؤية. هذا التطور في سوق الوظائف دفع الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى رفع سقف تحدي خفض معدلات البطالة بمستهدف جديد وضعه لوزارة الموارد البشرية.
لفهم الضرورة الملحة لتمكين الاقتصاد من توليد وظائف بمعدلات نشطة ننظر إلى الشرائح العمرية في السعودية، حيث يمثل متوسط عمر السعوديين 25 عاما وهذا يمثل بالمطلق سنوات البداية للموظفين الجدد، كذلك فإن 60% من السعوديين بعمر 30 عاما وأقل وهذا أيضا يعطي منظورا لمعدلات التوظيف المطلوب توافرها في المنظور المستقبلي القريب، فالقادمون الجدد إلى سوق العمل كثر وتلبية احتياجهم الوظيفي ضرورة ملحة.
أتاح هذا النشاط الاقتصادي ونشاط سوق العمل صنع فرص وظيفية عليا في الإدارة والإستراتيجية وصناعة القرار لشرائح عمرية شابة في المقارنة مع السنوات السابقة أو البلدان الأخرى أصغر سنا، فالنشاط صنع مدراء وتنفيذيين بأعمار شابة، ولهذا وجهان: الأول، خلق إيجابية كبيرة في ديناميكية اتخاذ القرارات ومرونة تنفيذها وبشكل يمثل شجاعة أكبر في أحيان قليلة يميل إلى التهور وفي الجهة الأخرى، شكلت الفرص طبقة إدارية غير معتادة على التسلسل الهرمي للمنظومات والإدارات هذه جميعها تجارب تنضج مع مرور الوقت والتجربة حتى تستقيم الشرائح الوظيفية مكتملة.
لعبت الشركات الصغيرة والمتوسطة دور نشط في سوق الوظائف الجديدة في السعودية السنوات الأخيرة وبطبيعة هذه المنشآت فهي تميل إلى النموذج الأفقي في الإدارة، حيث يلعب الجميع أدوار متعددة للوصول بالمنظومة إلى أهدافها على خلاف المنشآت الكبرى والناضجة والجهات السيادية التي تتسم بالتنظيم الإداري والرقابي الواضح والتسلسل الهرمي المفهوم للجميع فلا تداخل بين مجموعة من المهام بين أطراف متعددة.
بطبيعة الحال أن لكل شكل من أشكال المنشآت هذه له إيجابيات وسلبيات فالمنظومة الأصغر حجما تتسم بمرونة أكبر في تأدية المهام وأخذ القرارات، أما المنشآت الكبرى فلها تسلسلها الخاص للوصول إلى القرارات النهائية وهذا طبيعي كل ما كبرت الجهة وكانت أقرب للنضوج. ما نحتاجه في الأيام المقبلة أن يكون لدينا شريحة من الإداريين والعاملين الذين يملكون خبرة هجينة بين نماذج إدارية ومنشآت متعددة الأحجام، ما يحسن من ديناميكية إنجاز المهام والأعمال. من منظور بانورامي نحن في طريقنا إلى إيجاد هذه الشريحة العريضة التي عملت في اتجاهات مختلفة ونماذج إدارية متعددة بين القطاع العام والخاص، وما حدث من مزج للكوادر في السنوات الأخيرة بين القطاعين قدم لسوق العمل نماذج مبتكرة وأكثر فاعلية بين القطاعين والمنشآت باختلاف أحجامها.
وهذه تجربة يتطلب من القادمين الجدد إلى سوق العمل الحرص عليها في دورة حياتهم الوظيفية للدمج بين أفضل ما في هذه الأشكال والنماذج الإدارية. إن هذا الدمج بمثابة الدمج الذهبي بين تسيير الأعمال بشكل نشط وجريء وبين فهم طبيعة التسلسل الإداري لأكثر القرارات.