ترمب يعلن وفاة العولمة

مهما كانت دوافع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن فرض رسوم جمركية على الواردات من دول العالم، فإنها تشكل نهاية العولمة بشكلها الحالي وبداية عصر جديد من الحمائية التجارية خارج نطاق الاتفاقات والموازين الدولية .
لم يخطر في بال كثير من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة أن تصبح الحواجز التجارية والرسوم الجمركية تُستخدم سلاحًا في حرب تجارية أطلق شرارتها ترمب في يوم التحرير كما أسماه في خضم انقسامات واستقطابات مفصلية على الساحة الدولية، وبقدرة قادر تحول هذه الرسوم الأصدقاء إلى أعداء والعكس صحيح .
هل ستحول الرسوم الترمبية أمريكا إلى دولة عظيمة مجددا؟ سؤال يطرح نفسه بشدة، ولنعكس التساؤل قليلا.. هل أمريكا لم تكن عظيمة؟ وهل فقدت هيبتها فعلا حتى تفكر إدارة ترمب في استعادة عظمتها؟

بلا شك الولايات المتحدة تعاني اختلالا في الميزان التجاري وعجزا يصل إلى 1.2 تريليون دولار، كما تعاني اختلالات بنيوية فاقمت الدين العام ليلامس حاجز 35 تريليون دولار مع ظهور قوى عالمية منافسة أبرزها الصين والهند ودول صاعدة تتحكم في المشهد العالمي بعيدا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية .
مجمل الدين القومي الأمريكي يتوقع أن يصل إلى 50.7 تريليون دولار بحلول 2034، وهذه المستويات تؤثر في مكانة الدولار والثقة بالسندات كما تهدد ببروز عملات منافسة مثل اليوان وبريكس القادم بلا شك إلى ساحة حرب العملات إلى جانب اليورو، ما قد ينهي اتفاقية بريتون وودز .

التحكم في الميزان التجاري عن طريق الرسوم سلاح ذو حدين قد يؤدي إلى اضطرابات في التجارة العالمية، وكذلك التضخم وارتفاع الأسعار وظهور أسواق وسلع بديلة للأمريكية على المدى الطويل، لكن ذلك سيؤدي إلى توفير مئات المليارات من الدولارات للخزانة الأمريكية على المدى القصير، وسيؤدي ذلك إلى تقلبات شديدة في أسواق الأسهم والسندات والتحول إلى ملاذات آمنة في ظروف أكثر صحية للعلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية العالمية .

اليوم انتهى حلم العولمة ودخلنا عصر القرى وليس القرية العالمية الواحدة، والانعزالية أو التقوقع سمة جديدة قد تلقي بظلالها القاتمة على العالم. وبالنسبة للمنطقة العربية وخصوصا الخليجية سيكون التأثير أقل مقارنة ببقية الشركاء خصوصا مع إعفاء واردات ⁧‫النفطوالغازوالمنتجات المكررة من الرسوم الجمركية الجديدة الشاملة على 185 دولة.⁩
أخيرا رسوم ترمب المبنية على تعزيز الصناعة الأمريكية ومنع الاستغلال التجاري تعجل بظهور عالم متعدد القطبية والمصالح، وربما نشهد تقاربات محتملة بين أطراف متضادة وهنا بيت القصيد.. عهد ترمب سيؤسس لما بعده سواء على صعيد الاقتصاد أو السياسة، ومبدأ القوة سيكون مدخلا محتملا لعهد الضعف والانكفاء الاقتصادي والتاريخ سيقول كلمته فلا حضارات أبدية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي