عملة أمريكا اللاتينية المشتركة .. خطوة أم عقبة نحو التكامل؟

عملة أمريكا اللاتينية المشتركة .. خطوة أم عقبة نحو التكامل؟
عملة أمريكا اللاتينية المشتركة .. خطوة أم عقبة نحو التكامل؟

اختار الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا التوجه أواخر الشهر الماضي إلى الأرجنتين، ثاني أقوى اقتصاد في القارة اللاتينية، في أول جولاته الخارجية، بعد تسلمه مقاليد الحكم في البرازيل مطلع العام الجاري، ومن هناك أعلن، بمعية نظيره الأرجنتيني ألبرتو فرناندير، مشروع عملة مشتركة باسم SUR، تعني "الجنوب" باللغة البرتغالية، للمعاملات التجارية والمالية بين الدولتين، بعيدا عن سطوة الدولار، دون أن تكون الفكرة سببا في إلغاء الريال البرازيلي أو البيزو الأرجنتيني.
تزامن القرار مع احتضان بوينس آيرس قمة مجموعة دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي CELAC، التي غادرتها البرازيل، قبل أربعة أعوام، في عهد الرئيس اليميني بولسونارو، اعتراضا على عضوية كوبا وفنزويلا. ما يعني عودة قوية، بخلفية يسارية تحاول الإفلات من قبضة واشنطن، لأقوى اقتصاد في المنطقة إلى تجمع إقليمي يضم 33 دولة. وبدا ذلك واضحا في أحاديث دا سيلفا، فقد صرح "إذا كان الأمر يعتمد علي، فسأقوم دائما بالتداول الخارجي بعملات الدول الأخرى، لذلك لا نعتمد على الدولار".
سيرا على خطى اليورو
تمتلك دول المنطقة من المقومات ما يجعلها تؤسس ثاني أكبر تكتل نقدي في العالم، بعد الاتحاد الأوروبي، فالتقارير تتوقع أن تمثل العملة الموحدة في أمريكا اللاتينية 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بعد تجمع منطقة اليورو الذي يعد الأول عالميا، بنحو 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
يرى فصيل من الخبراء أن دول القارة لديها من الدوافع ما يكفي لاستعجال مشروع العملة، فجميعها بحاجة إلى تعزيز الاستقلال الاقتصادي باعتماد هذه العملة التي ستخفف لا محالة من الضغوط الخارجية، بتقليص الاعتماد على الدولار في تعاملاتها التجارية والمالية، فنقص الاحتياطيات الدولية من الدولار يؤثر سلبيا في اقتصادات المنطقة. فالأرجنتين على سبيل المثال، تكافح موجة تضخم بلغت أكثر من 95 في المائة عام 2022.
ارتباطا بالبرازيل والأرجنتين باعتبارهما الدولتين المبادرتين إلى فكرة العملة المشتركة، يتوقع أن تنتعش المبادلات التجارية بين العملاقين الاقتصاديين في القارة، فمشروع العملة الجديدة بمنزلة حل أو تحايل على افتقار الدول إلى الاحتياطيات الدولية من العملة الصعبة، خاصة أن مؤشرات التبادلات التجارية تظهر أن الأرجنتين أكبر شريك تجاري للبرازيل، صاحبة أكبر اقتصاد وساكنة في المنطقة، مستمرة في الارتفاع، فالتقارير -برسم عام 2022- تتحدث عن واردات تعدت 26 مليار دولار، بزيادة 21 في المائة عن العام الماضي. بذلك تكون العملة المشتركة سبيلا تجنب الدول إهدار الاحتياطي من العملة لتمويل التجارة فيما بينها.
يتوقع أن يمنح تنامي مناخ دولي يسعى نحو كسر هيمنة الدولار على المعاملات التجارية الدولية، مزيدا من الثقة والمصداقية للمبادرة، ويكسبها مقبولية بين دول القارة، ولا سيما بعد محاولة كل من الصين وروسيا دفع الدول إلى التعامل بالعملات المحلية، لمواجهة الضغوط الأمريكية، ونجاح روسيا في فرض الروبل عملة لشراء الغاز ردا على العقوبات الغربية عليها، بسبب التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا.
ويزيد المد اليساري الذي استعاد قوته في ربوع أمريكا اللاتينية، بعد موجة أعوام عجاف من سيطرة أحزاب اليمين المحافظ والمتطرف، مشروع العملة قوة وصلابة، فهو أساس التكامل الاقتصادي الذي تمني القارة النفس ببلوغه منذ عقود من الزمن، علاوة على كون المشروع البوابة الكبرى للبرازيل للعودة إلى موقعها الريادي، باعتبارها قائدا إقليميا في بيئتها الاستراتيجية، ولاعبا محوريا في المنطقة في تسريع مشروع التكامل الإقليمي.
عقبات أمام الوحدة النقدية
تتعلق أول العقبات التي تقف في وجه مساعي الدولتين نحو عملة مشتركة، بالبون الشاسع في هيكلة العامة للاقتصاد، فالاختلاف بين السياسات النقدية والمالية للدولتين، وهو ما ينطبق على باقي دول القارة. فلدى البرازيل مثلا بنك مركزي مستقل وسعر صرف حر، عكس ما عليه الحال في الأرجنتين. وتمتد الفوارق إلى حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي، ففي الوقت الذي تملك فيه البرازيل أكثر من 300 مليار دولار، تدين الأرجنتين بأزيد من 40 مليار دولار لصندوق النقد الدولي. الأمر ذاته يسري على معدلات التضخم، فالنسبة برسم عام 2022، في حدود 5,8 في المائة في البرازيل، أما في الأرجنتين فتصل إلى 95 في المائة.
إقليميا، تعترض المشروع عقبات أشد وأكبر، حيث تفتقد المنطقة لعوامل مساعدة على إنجاح مشروع العملة، مثل السوق المشتركة أو منطقة تجارة حرة. فالسوق الجنوبية المشتركة، المعروفة باسم "ميركوسور" التي تضم كلا من البرازيل والأرجنتين والأوروجواي والباراجواي، لا تملك مقومات السوق الحرة بالمعنى الدقيق للكلمة، في هذا التجمع الاقتصادي الذي يعرف رسوما جمركية عالية على عدد من المنتجات المتبادلة بين الدول الأعضاء فيه.
انفراد البرازيل والأرجنتين بالفكرة يثير مخاوف جمة لدى الدول الصغرى في تجمع ميركسور، من تحويلها إلى أتباع فقط، فقد حذر مراقبون في أكثر من دولة من كون هذا المشروع إعلان عودة لنهج المهمين لهذا الثنائي، وما إطلاق مشروع بهذا الحجم دون أخذ رأي بقية الدول الأعضاء في التجمع سوى دليل على ذلك، فمخاوف هؤلاء تتزايد من تحول هذه الدول إلى مجرد منفذة لأوامر وتعليمات العملاقين الاقتصاديين في أمريكا اللاتينية.
مزاعم بلا أسانيد في نظر أصحاب المشروع، بدءا من الاسم "العملة المشتركة" وليس "العملة الموحدة"، ما يفيد احتفاظ كل الدول بالعملات السيادية، وبالتالي ضمان الاستقلالية في القرارات السياسية النقدية والمالية. ترمي العملة -كما فسر ذلك وزير المالية البرازيلي- إلى تأسيس ما يشبه وحدة حساب مشتركة، مع غرفة مقاصة إقليمية لتسوية الالتزامات المتبادلة بين الدول الأعضاء. باختصار، إن المبادرة أقرب إلى الإيكو ECU، العملة الأوروبية المعتمدة، في الربع الأخير من القرن الماضي، قبل بلوغ مرحلة اعتماد اليورو رسميا التي احتاجت إلى ثلاثة عقود ونصف "35 عاما" من الزمن لتصبح حقيقة متعينة على أرض الواقع.
تيار المتشائمين يرى الفكرة برمتها مجرد "مضيعة للوقت"، فالفشل الاقتصادي الذريع لأكثر من دولة في المنطقة، بما في ذلك الأرجنتين، التي أفلست أكثر من مرة، يحول دون تطوير مشروع جاد للعملة المشتركة أو الموحدة، لا فرق. فالأوضاع الاقتصادية للدولتين لا توفر الشروط الأولية اللازمة لإنجاح فكرة إطلاق اتحاد نقدي.

الأكثر قراءة