خريطة طريق جديدة للأمن المائي العالمي

يُعد الماء عنصًرا أساسيًا لوجود الإنسان والحياة على كوكب الأرض، إذ يسهم في استدامة جميع جوانب الحياة، وتنمية الاقتصادات، وتشكيل الحضارات الإنسانية. وفي وقت يكافح فيه أكثر من ملياري شخص للوصول إلى مياه نظيفة، أصبحت أزمة المياه اليوم قضية عالمية تتفاقم بفعل التغير المناخي والنمو السكاني، ولم تعد هذه الأزمة محصورة في مناطق معينة، بل تجاوزت الحدود الجغرافية لتصبح تحديًا عالميًا.
تواجه السعودية تحديًا في ندرة المياه نتيجة شح الموارد المائية الطبيعية والمناخ الجاف، ما استدعى ضرورة التصدي لهذا التحدي بفاعلية. وقد أتاح ذلك فرصة لإعادة التفكير في تطوير حلول جديدة ومبتكرة تسهم في توفير المياه وإدارتها وتوزيعًها بكفاءة. فعلى مدى الـ50 عامًا الماضية، شهد قطاع المياه في السعودية تطورات وتحولات متسارعة، حيث أعادت السعودية رسم ملامح هذا القطاع الحيوي، بدءًا من جهودها في تحلية المياه 1970، وصولا إلى تأسيس الهيئة السعودية للمياه. واليوم، تضطلع الهيئة بدور محوري في الإشراف والتنظيم والتخطيط تحت مظلة وزارة البيئة والمياه والزراعة، لتصبح الجهة التنظيمية الرئيسة المسؤولة عن ضمان استدامة القطاع، والامتثال للمعايير، وتحسين جودة الخدمات.
تشرف الهيئة على إنتاج أكثر من 15 مليون متر مكعب من المياه يوميًا في السعودية، من خلال القطاعين العام والخاص، محققةً بذلك أفضل معدلات الكفاءة في استهلاك الطاقة والتكاليف الرأسمالية والتشغيلية. ويتم نقل المياه المنتجة عبر شبكة نقل ذات كفاءة تصميمية استثنائية، وبأطوال تتجاوز اليوم 14 ألف كيلومتر، ممتدة عبر مختلف التضاريس، وذلك من خلال شركة نقل المياه بالتعاون مع شركاء من القطاع الخاص، ليتم إيصالها وضخها في شبكات توزيع تمتد لأكثر من 135 ألف كيلومتر، تغطي المدن والقرى في شتى أنحاء السعودية. كما تتولى شركة المياه الوطنية مسؤولية جمع المياه المستخدمة ومعالجتها عبر محطات القطاعين العام والخاص، وفق معايير تتيح إعادة استخدامها في الري، والصناعة، والتعدين، ومختلف القطاعات الخدمية، من خلال المؤسسة العامة للري.
Text BoxText Boxيعتمد قطاع المياه في السعودية الإمداد، بعلاقات تجارية منظمة بوجود شركة شراكات المياه كمشتر رئيسي، ما يسهم في حوكمة العلاقات التجارية بين مختلف كيانات سلسلة الإمداد. ويعزز هذا النهج أهمية ودور الهيئة السعودية للمياه، بقيادة وزارة البيئة والمياه والزراعة، في تطوير التشريعات والسياسات، ووضع منهجيات التخطيط التكاملي، وتحفيز الابتكار، تحقيقا لأهداف رؤية .2030
وتُعد هذه الإنجازات والريادة المؤسسية في قطاع المياه السعودي تتويجًا لرؤية السعودية في ترسيخ مبادئ الحوكمة، ورفع الكفاءة التشغيلية، وتعزيز الابتكار والمرونة، من خلال توظيف أحدث التقنيات والحلول الذكية. وتعمل الهيئة، بالتعاون مع الجهات المعنية كافة، على إعادة رسم مفهوم الإدارة المستدامة للمياه، لضمان استمرار ريادة السعودية كنموذج عالمي متقدم في إدارة الموارد المائية بكفاءة، رغم تحديات ندرتها.
وفي هذا الإطار، تضطلع الهيئة، من خلال معهد ابتكار تقنيات المياه والأبحاث المتقدمة ومركز الابتكار، بدور محوري في تقديم حلول بحثية وهندسية تطبيقية فعالة تتماشى مع الأولويات الوطنية، بهدف تعزيز الابتكار ودعم المرخص لهم، بما يحقق أقصى فائدة للمستهلكين، ويضمن تحقيق أهداف الاستدامة، وتحسين كفاءة إدارة المياه على المستوى الوطني، كما تضع الهيئة مصالح المستفيدين وحقوقهم في صميم سياساتها التنظيمية، من خلال تعزيز الشفافية، وضمان العدالة في تقديم الخدمات، وتحقيق أعلى مستويات الكفاءة والاستدامة، ما يضمن توفير مياه موثوقة وعالية الجودة تلبي احتياجات جميع الشرائح، وتسهم في تحقيق التنمية المستدامة ورفاهية المجتمع.
وفي سياق هذا التحول، تسعى الهيئة باستمرار إلى تحقيق الكفاءة والاستدامة. على سبيل المثال، أصبحت منشآت تحلية المياه لدينا الأقل استهلاكًا للطاقة في العالم، حيث وصلت منظوماتها الجديدة إلى استهلاك أقل من 2.38 كيلووات/ساعة لكل متر مكعب من المياه المحلاة. ومع التوجه المستمر نحو تحسين مستويات الكفاءة والموثوقية وتبني تقنيات الطاقة المتجددة، نجحنا في تحقيق أثر بيئي إيجابي، من خلال خفض ما يصل إلى 37 مليون طن من الانبعاثات سنويًا، عبر تنفيذ برنامج متكامل لتطوير تقنيات التحلية، ما أدى إلى إحداث تأثير إيجابي كبير في اقتصاديات صناعة التحلية وحماية البيئة معًا. كما حققنا مؤشرات غير مسبوقة في استخدام تقنيات التحلية في الزراعة، سواء على المستوى الكمي أو النوعي.
في الوقت ذاته، بلغت نسبة المحتوى المحلي في عمليات التحلية حاليًا 65%، متقدمةً بـ5 سنوات على مستهدفات رؤية 2030 المحددة بـ 70.% وقد تحقق هذا الإنجاز بسواعد سعودية، حيث وصلت نسبة توطين القوى العاملة إلى 98.% وسنواصل جهودنا في تسريع توطين سلاسل الإمداد والخدمات والكوادر البشرية، بهدف بناء منظومة مائية أكثر مرونة واستدامة، وقد أسهمت في هذا النجاح انطلاقة جديدة لمبادرات عالمية متعددة، من بينها ما تقدمه الأكاديمية السعودية للمياه التابعة للهيئة، التي تتولى تأهيل الجيل القادم لقيادة قطاع المياه على المستوى العالمي.
Text Boxنؤمن في الهيئة بأهمية التعاون لمعالجة تحديات المياه، إذ لا يمكن حلها بجهود فردية، بل تستدعي تعزيز الشراكات بين الحكومات، والقطاع الصناعي، والمجتمعات. ومن هذا المنطلق، تقود السعودية الجهود العالمية لمواجهة أزمة ندرة المياه، حيث تبنت مبادرة تأسيس منظمة عالمية للمياه، كما فازت السعودية باستضافة المنتدى العالمي للمياه الحادي عشر عام 2027، الذي سيجمع نخبة من صناع القرار والعلماء والمبتكرين لمناقشة التحديات المائية ورسم مستقبل جديد لقطاع المياه.
وانطلاقًا من دور الهيئة في الإشراف والتنظيم وتعزيز كفاءة منظومة المياه الوطنية، نعمل على تعظيم الاستفادة من البيانات الضخمة والتقنيات الرقمية لتحسين إدارة الموارد المائية، وضمان استدامتها، وتعزيز الشفافية والكفاءة التشغيلية في مختلف القطاعات. ومن خلال تبني التكنولوجيا المتقدمة، وإقامة الشراكات الإستراتيجية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات، تسعى السعودية إلى رسم مستقبل آمن ومستدام للمياه، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة وتعزيز الاستدامة المائية للأجيال المقبلة.
إن أزمة المياه مسؤولية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية، وليست مجرد قضية محلية أو إقليمية. لذا، فإن أمامنا جميعًا فرصة لصناعة التغيير وضمان الأمن المائي للأجيال القادمة. ولم يعد السؤال: هل نحن قادرون على حل هذه الأزمة؟ بل إلى أي مدى نحن مستعدون للعمل المشترك لمواجهة هذا التحدي العالمي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي