ما الخشية من التعريفات الجمركية الترمبية؟
لا يخفى أن هناك حالة من القلق والخشية من التعريفات الجمركية التي يفرضها الرئيس الحالي للولايات المتحدة دونالد ترمب، وعلى أثرها صارت تطفو على السطح انتقادات شديدة لهذا النهج، الذي يبدو أن ترمب مصمم على عدم التراجع عنه.
الخشية ليست نابعة من أن التعريفات الجمركية – ضرائب تفرضها الدولة على السلع المستوردة – خالية من المنافع. كما سردنا في الأسابيع الماضية، ترافق الإجراءات الجمركية منافع جمة وهي جزء من السياسات الحمائية الاقتصادية التي لا بد منها في أوضاع محددة لحماية الاقتصاد الوطني.
ما يميز الإجراءات الجمركية للإدارة الأمريكية الحالية أنها واسعة النطاق أولا، وثانيا، وهذا الأهم، أنها تأتي فجائية، ومن ثم ترفع بغتة ويعاد فرضها دون سابق إنذار وهكذا دواليك.
أخطر ما يواجهه اقتصاد أي دولة هو عدم اليقين من الخطوة المقبلة، ويشار إليه في الأدبيات الاقتصادية بعدم الاستقرار أو الثبات instability ويرى فيه أغلب علماء الاقتصاد الداء الذي لا دواء له.
وما يخشاه رأس المال والمستثمرون في أي مكان في العالم هو عدم الاستقرار الذي قد يمكنهم من المجازفة القصيرة ولكن يقف سدا منيعا في وجه أي مسعى للقيام باستثمار على المدى البعيد مثل إنشاء مصانع كبيرة غرضها سد حاجة السوق المحلية ومن ثم التصدير أو القيام بتشييد البنى التحتية.
ويصدق ترمب وكذلك مناصروه في قولهم إن تعريفاتهم الجمركية هي أعظم شيء جرى اختراعه، أو أن مفردة التعريفات هي أفضل مفردة في المعاجم جميعا. في الحقيقة والواقع لم يشهد العصر الحديث موجة عاتية من التعريفات الجمركية تفرضها دولة تملك أقوى اقتصاد في الدنيا في غضون شهرين وتقابلها تعريفات مضادة من شتى الدول المستهدفة.
ما يؤخذ على نهج التعريفات الجمركية التي تتبناها الولايات المتحدة في عهد ترمب – وهو العهد الثاني له في البيت الأبيض – أنها عشوائية وغير مدروسة ونابعة من نزوات ومواقف شخصية، وعليه يرى جمهرة من الباحثين وعلماء الاقتصاد أنها لا تقع حتى في خانة رابح رابح win win (أي في خانة نهج أو موقف يكسب فيه جميع الأطراف).
إنهم يقولون: إن النهج الحالي للتعريفات الأمريكية خاسر خاسر lose lose (أي أن السياسة فيها خسارة لجميع الأطراف وعلى الطرف الذي ينتهجها خصيصا).
ومع كل النقد الموجه للتعريفات الجمركية الأمريكية، إلا أن من النادر أن تلحظ أن هناك من ينكر نفعها وأهميتها للاقتصاد الوطني، لا بل يرى البعض أنها قد تشكل إستراتيجية رابحة لو جرى استخدامها بروية ضمن خطة اقتصادية مدروسة بعيدة المدى والأهداف.
والملاحظ أنه رغم النقد القاسي أحيانا للسياسة الشديدة الحمائية التي تتبعها إدارة ترمب، ليس هناك من يتباكى على حرية التجارة والعولمة وحرية انتقال الأفراد والبضائع والأموال، التي كانت وإلى ما قبل سنين عديدة نهجا تدافع الدول الغربية عنه وعلى رأسها الولايات المتحدة دفاعا مستميتا.
ليس هناك في الرأسمالية شيء ثابت أو مبدأ ثابت. في الرأسمالية الواقع والمصلحة الاقتصادية هما النبراس، وهكذا عندما ظهر للإدارة الجديدة في البيت الأبيض أن أفضل درب لحماية الاقتصاد الأمريكي وتعزيز مكانته كأكبر اقتصاد في العالم لن تحصل دون إتباع نهج حمائي صارم.
وهذا ما حصل بالضبط، ولكن قد يتسأل القارئ ما السبب ولماذا الآن على وجه التخصيص؟
نظرة متفحصة على سوق السيارات الكهربائية – التي تعد واحدا من المؤشرات المهمة للاقتصاد العالمي في الوقت الحالي ومفتاحا لمعرفة من سيسيطر عليه – قد تمنحنا بعض الجواب. كل الجواب في الاقتصاد غير محبذ والذي يقول: إن لديه ذلك لا أظن في الإمكان تصديقه.
في العام الماضي سجلت الصين نموا كبير في إنتاج وبيع السيارات الكهربائية، حيث قفزت حصتها إلى 76% من مجمل المبيعات في العالم. في غضون 10أشهر، أي بين كانون الثاني وتشرين الأول من العام المنصرم، باعت الصين أكثر من 14 مليون سيارة كهربائية.
بينما الولايات المتحدة ممثلة بشركة تيسلا وصلت مبيعاتها إلى 1.8 مليون سيارة كهربائية الكثير منها مصنوع في الصين.
هذا قد يقدم بعض الجواب لإقدام ترمب وإدارته بما يصل الهوس في فرض التعريفات الجمركية التي تصل نسبتها إلى 100% على استيراد السيارات الكهربائية من الصين ما أغلق تقريبا السوق الأمريكية في وجهها.
هل ستوقف التعريفات الأمريكية ما يبدو أنه قوة إقتصادية صينية ماحقة – في حقل السيارات الكهربائية مثلا ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الأسبوع المقبل.