البابا عندنا وعندهم ..!!
صاحبت زيارة بابا الفاتيكان منطقتنا مفارقات عربية وعجائب يهودية، ففي الوقت الذي استقبلناه بحفاوة وأدب جم ولم نكدر عليه صفوه بإثارة مواقف وأحاديث له سابقة اعتبرت مسيئة، ونضغط عليه مطالبين إياه بمواقف إنسانية على الأقل تجاه المظالم التي تعرض لها الشعب الفلسطيني ولا يزال، استقبله اليهود بالدعاوي القضائية والتهم السياسية ونبش تاريخه النازي حين كان في جيش الشبيبة نازية إبان المحرقة، وقاموا باستدعاء قضايا تاريخية حولها جدل ووظفوها لكي يحصلوا منه على مواقف تخدمهم، وهو ما حصلوا عليه فعلاً حين استقبل والدي الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حركة حماس، ولم يلتفت لأكثر من أحد عشر ألف أسير فلسطيني يقبعون في السجون الإسرائيلية بعضهم من بني ديانته المسيحية، وحديثه عن الموقف الكاثوليكي الإيجابي من اليهود وترسيخ المصالحة الدينية معهم، وزيارته نصب المحرقة النازية لليهود وحائط مبكاهم بكل إجلال وحزن، وعدم قول أي كلام له قيمة وصلة بمعاناة الفلسطينيين من الاحتلال والعدوان بكل صوره البشعة.
أولى عجائب ما تعرض له بابا الفاتيكان من ابتزاز صهيوني قبل قدومه، هي قيام ناشطين من حزب "الاتحاد القومي" الصهيوني المعارض ومن قيادات المستوطنين في مدينة الخليل، والذين يتميزون بعنصريتهم المقيتة، برفع دعوى قضائية أمام ما يسمى بـ "محكمة صلح" في القدس المحتلة ضد البابا كمتهم أول، ومؤسسة الفاتيكان كمتهم ثان، طالبوا فيها باعتقال البابا حين وصوله أو منعه من المغادرة بتهمة (سرقة كنوز يهودية لا تقدر بثمن) كما جاء في صحيفة "دعواهم"، التي يقولون إن الفاتيكان يحتفظ بها منذ أن قام القائد الروماني "تيتوس" بهدم الهيكل الثاني، وإن الفاتيكان قام بـ "سرقة" تلك المحتويات ونقلها للكنيسة في روما، وهي تضم شمعدان من الذهب الخالص وطاولات وأواني عدة أغلبيتها من الذهب، وهنا مربط الفرس، فلو لم تكن ذهبا لما طالبوا أو سألوا عنها ..!!.
على جانب آخر، قاطع الحاخامان الرسميان (شلومو عمار) كبير حاخامات اليهود الشرقيين "السفرديم"، و(يونا فيسنجر) كبير حاخامات اليهود الغربيين "الاشكيناز"، زيارة البابا بادعاء أن لهم مشكلة مع حملة الصليب والذي فيه رمز لقيام اليهود بصلب السيد المسيح - عليه السلام -، واستكمالا لهذا الموقف الديني الخالي من الكياسة من الحاخامين، وصف الحاخام الأكبر السابق (يسرائيل لاو) هذا البابا بنديكتوس السابع عشر بأنه "سيئ" بسبب إعادته الراهب البريطاني "ريتشارد وليامسون" إلى الكنيسة وهو الذي ينكر المحرقة النازية لليهود، ويأخذون على هذا البابا مشاركته بوفد في مؤتمر دوربان الثاني، وعدم مقاطعة وفد الفاتيكان كلمة الرئيس الإيراني، وهذا الموقف المقاطع نفسه لاستقبال البابا، اتخذه رئيس الكنيست الإسرائيلي، وعكس كل هذه الأجواء الابتزازية والفاقدة للياقة والأدب في استقباله، إن كبريات الصحف الإسرائيلية شاركت في هذه الحملة المقاطعة والمهمشة لزيارة بابا الفاتيكان بالاكتفاء بنشر خبر الزيارة باقتضاب في صفحاتها الداخلية.
الغريب أن هذا الصلف وانعدام اللياقة اليهودية في استقبال من يطلقون عليه "الحبر الأعظم" للمسيحية ورمزهم الديني الذي يقدسونه، قابلها البابا بالوقوف منكسرا متصنعا الحزن والآسى على ضحايا المحرقة النازية لليهود، والذي لم يمنع أصواتا يهودية من الاعتراض على زيارته عموما وخصوصا لنصب المحرقة بتهمة مشاركته فيها حين كان منتميا لجيش الشبيبة النازي حينها.
في المقابل لم يود رغم حسن استقبالنا له إبداء إشارة فقط "مجرد إشارة" لما تعرض له الشعب الفلسطيني من محرقات صهيونية، آخرها ما ارتكب في غزة من محرقة بالفسفور الأبيض القاتل والمحرم دوليا، والذي هو أشنع من ذلك الغاز الذي قيل إن هتلر استخدمه لقتل ستة ملايين يهودي كما يدعون، وهو ما يكشف مدى النفاق والتزلف الغربي دينيا وسياسيا لكيان العدو.
هذا الموقف من بابا الفاتيكان، وهو يمثل موقعا روحيا لا سياسيا، سيس بكل أسف زيارته حين جامل مضيفيه اليهود من ناحية، ومن ناحية أخرى حين لم يعامل الفلسطينيين بالمثل أو حتى أقل منه وخصوصا أبناء ديانته المسيحية.