فاصفح الصفح الجميل

في حياة كثير من الناس كانت هناك إهانات أو خيانات وغدر ومشكلات عاطفية ومعنوية تركت علامات محفورة في النفس من الصعب علاجها، نشعر إزاءها أننا لا نستطيع مسامحة أولئك الذين أسهموا في حدوثها، حيث يكون الشعور بالألم والإحباط والإساءة عميقا جدا ونرى أنهم غير جديرين بالصفح عنهم.
إن العائق الأساسي للصفح هو عدم فهم ما هو الصفح بوضوح، فهناك من يخلط بين الصفح والتغاضي عن الأفعال السيئة، والبعض يعتقد أن الصفح يعني نسيان ما حدث أو استحسان السلوك الخاطئ، كما يخشى البعض من الصفح لأنهم يعتقدون أنه يعني المصالحة مع من أساءوا إليك وتركهم يفرون بأخطائهم، أو تجميد المشاعر والتخلي عن حقنا في الغضب والانفعال، فما الذي يعنيه الصفح؟
إن الصفح هو تلك الراحة التي تشعر بها حين تنتصر على معاركك الداخلية، وهو ملك لك وليس لمن أساء إليك، واستجماع للقوة وتحمل لمسؤولية مشاعرك الداخلية، وتحرير لك من هواجس النفس الأمارة بالسوء، التي توجه لنا الرسالة تلو الأخرى بأننا نحيا في عالم لا إنصاف فيه وتغرينا بأن نمارس فيه دور الضحية ونلقي بالسخط على من حولنا ونتهمهم بأنهم سبب تعاستنا، وتدفعنا للشعور بأننا حمقى إذا لم ندافع عن أنفسنا ونلوم الآخرين، وآخر ما تريدنا الاقتناع به هو أننا نملك حق الاختيار بألا نكون ضحايا، فنختار الحب بدلا من الخوف والصفح بدلا من أن نستبقي بداخلنا الشعور بالمرارة والحسد والتذمر، ولذلك فهو أقوى علاج لحياتنا الداخلية والخارجية.
إن القرار بعدم التسامح هو قرار بالمعاناة، أما الصفح فهو عملية تحويلية في النظر للعالم، كما أنه الممحاة التي تزيل آثار الماضي المؤلم وتحررنا من قيود الغضب والخوف التي فرضناها على عقولنا، وإذا كنا نحرص دوما على معرفة الآثار الجانبية للأدوية التي ندخلها أجسادنا، فعلينا أن نرعى وبحذر الأفكار التي نودعها أدمغتنا تماما مثل تلك الأدوية، وأن نعي فداحة الآثار السامة التي يحملها العقل غير المتسامح التي تؤثر تأثيرا سلبيا في سعادتنا وصحتنا، والإنسان حينما يفقد التسامح والصفح يفقد الصحة.
لقد دعا الإسلام للارتقاء بالسلوك في التعامل مع الآخرين، ودعوته للأخلاق ولصيانة العلاقات بين الناس هي دعوة لحفظ نفسك وصحتك وحالتك أولا ثم حفظ صحة المجتمع والآخرين، لأن كل عناصر الكون تتفاعل باشتباك حميمي، وأعظم ما يمكن أن يقترفه الفرد بحق نفسه والآخرين هو البغض وقتل الحب، لأن ما نبنيه في الداخل سنسكنه في الخارج.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي