تعديلات السياسات المالية عاجلاً غير آجل

في كل سنة يتم الإعلان عن ميزانية تاريخية أعلى من سابقتها والإنفاق دائماً في ازدياد عما يقر عليه. في الحقيقة ليس هناك شيء دائم في الاقتصاد، وكذلك ليس هناك شيء دائم في الإنفاق الحكومي. يعتمد الإنفاق على أسعار النفط ويتم استمرار التوسع في الميزانية بناءً على ارتفاع أسعار النفط. حين ننظر إلى أسعار النفط على مدى السنوات الثلاث السابقة، نجد أنها تستقر فوق 100 دولار للبرميل، وللمحافظة على الإنفاق السنوي يتطلب أن يكون سعر النفط في حالة ارتفاع في كل عام. من أجل المحافظة على ميزانية متوازنة في عام 2014 بدون إنفاق إضافي، لا بد أن يكون متوسط سعر النفط في العام المقبل 87 دولاراً للبرميل مقارنةً بـ 42 دولاراً في عام 2006.
يجب الإدراك أن إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، والأعمال القائمة لإعادة هيكلة قطاع النفط في المكسيك، والنفط المنتَج من البلدان غير الأعضاء في منظمة أوبك، إلى جانب رفع سقف الإنتاج المتوقع من ليبيا والعراق، واحتمالية رفع جزء من العقوبات على منع تصدير النفط من إيران من ثم رفع سقف الإنتاج والتصدير على مدى الأعوام العشرة المقبلة، بلا شك، عوامل تضغط على أسعار النفط إلى الأدنى حتى مع ارتفاع الطلب.
منذ مطلع القرن الحالي ازدادت رواتب الموظفين في القطاع العام بأكثر من 25 في المائة، نتيجة للتعديلات على تكاليف المعيشة وارتفاع التضخم. لكن المطالبات برفع رواتب موظفي القطاع العام وتوظيف المزيد من العاملين تعتبر من الأمور غير القابلة للاستدامة، وذلك بسبب أن 37 في المائة من المصروفات العامة تخصص لرواتب القطاع العام أي ما يعادل 51 في المائة من المصروفات الجارية، وبالتالي ليس من الحصافة زيادة التوظيف في القطاع العام المتشبع أكثر بكثير من اللازم. مقدار الرواتب التي تُدفع اليوم للقطاع العام قريبة جداً من كامل الميزانية السعودية لعام 2005. لا يمكن أن ترتفع الرواتب الحكومية إلا إذا ارتفعت الإنتاجية. لذا فإن جميع الجهات الحكومية بلا استثناء وجميع المسؤولين كائناً من كان مطالبون بالعمل معاً في سبيل تحقيق الكفاءة في التوظيف بالإضافة إلى الإنفاق العام.
إن المسؤولية تقع على القطاع الخاص في خلق الوظائف للسعوديين. انتفع وتدلل القطاع الخاص لعدة عقود من مساندة الحكومة من خلال الإنفاق والإقراض والحماية ومبالغ الدعم المهولة، في وقت أصبح فيه القطاع العام المحرك الرئيس للتوظيف. وإلى نهاية العقد الحالي، سيكون هناك أكثر من 2.5 مليون سعودي يبحثون عن وظائف.
اعتباراً من المرحلة الحالية يجب أن يصبح إنفاق الدولة أكثر كفاءة وفي الوقت نفسه يعمل على إطالة كثير من المشاريع الرأسمالية للدولة على مدى عدة سنوات. المشاريع الرأسمالية ذات القيمة الاستراتيجية للدولة لا يمكن أن تكتمل خلال سنتين أو ثلاث سنوات، ستتأثر نوعية المشاريع وكفاءة الإنفاق إذا كان لا بد من إنجاز كل شيء خلال فترات زمنية قصيرة. من خلال الإهمال في إدارة الإنفاق، فإننا نضر أجيال المستقبل أكثر مما ننفعها. إن السياسة المالية العامة هي أمانة عند الله. لذا ينبغي تبني سياسات أكثر انضباطاً في مجال الإنفاق من الآن. الميزانيات الأصغر والأكثر كفاءة هي علامة على الصحة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي