الاقتصاد الهالوكي !

أفرز النظام العالمي الجديد أنظمة اقتصادية تابعة ودائرة حول اقتصاد مركزي لدول كبيرة وقوية، بحيث لا تستطيع تلك الأنظمة أن تتحرر من تلك الجاذبية الفلكية، وإلا تاهت وتلاشت، في مشهد يجسد الوصاية من الدول الكبيرة، كما يبلور الهالوكية من الدول الصغيرة.

إنَّ استقلال النظم الاقتصادية في الدول النامية واعتمادها على ذاتها، يُعدُّ في عرف الدول ذات الثقل الاقتصادي الكبير خروجاً من عباءة الوصاية الاقتصادية خاصتها، فضلاً عن كونه مروقاً من الوصاية السياسية، وهو أمر لا يلبي طموح الهيمنة والسيطرة لدى تلك الدول، وإن كانت تسمح للأنظمة الهشة اقتصادياً بالحبو في رحابها، ولا مانع من أن تتعلق بأثوبها في إطار تخطيط مُحكم يؤسس لنظم اقتصادية مُتسلقة رخوة، تتكيء على غيرها في إطار ما حُدد لها سلفاً، إذ لم يُسمح لها ابتداءً أن تنتصب من تلقاء نفسها، وكيف تستطيع وهي فاقدة للعظام والعِماد؟!.

الدول الكبيرة أنفقت المليارات لتخليق اقتصاديات تابعة، تدور دائماً في حالة من العوز الاقتصادي لها، إما بتصدير الخطط الاقتصادية التي تضمن دوران تلك الاقتصاديات في نفس الفلك، أو بإلقاء بعض المنح المشروطة التي تصوّب في اتجاهات معينة، وذلك كي تضمن بقاء الدول الفقيرة سوقاً كبيرة لجلب المواد الخام منها بأزهد الأثمان، ثم إرجاعها إليها في شكل سلع وأجهزة ومعدات ومستلزمات بأغلى الأثمان، لتسترد المليارات التي أنفقتها وعليها مئات من أضعافها، لتكون الدول الفقيرة في النهاية بقرة حلوباً لاقتصاديات إنتاج المُعدات العسكرية والاجهزة التكنولوجية.

الدول الفقيرة أو الضعيفة التي استطاعت الفلتان من هذا النسق العنكبوتي.. وجدت نفسها، وتعرفت على شخصيتها، وتلمست طريق نهضتها، فاستطاعت أن تنأي بنفسها عن مجال جاذبية الدول القوية، فرفعت عباءة الوصاية عن رؤيتها، لتبصر هي بدلاً من أن يُبصر لها.. حدثني عن الهند، وعن كوريا الجنوبية، وعن النمور الأسيوية، وعن آخرين مرقوا، لترى معي كيف استطاعت هذه الدول أن تصنع وتبدع وتنتج وتصدر، بل ويتهلف العالم على إنتاجها المُبهر الذي برزت فيه شخصية شعوبها الخاصة.

إنّ الاقتصاديات المُتسلقة على أجساد الكبار بإذنهم وتحت مراقبتهم ستستمر ما دامت أنظمة اقتصاد الكبار قائمة، وما دامت حائزة على الرضا بالدوران في مدار التبعية التي تحقق الهيمنة للطرف الآخر، ولكن لا يمكن لاقتصاد هذا شأنه أن يتصاعد أو يُحلِّق، إذ لن تستطيع لأنها لا تملك أدوات الإنطلاق، أو أنه لن يُسمح لها - بسهولة - أن تتجه إلى الإنطلاق، ذلك لأن الأقوياء في عالم الاقتصاد لن يشعروا بقوتهم إلا إذا استمتعوا بمشاهد الضعفاء وهم يتخبطون في أوحال هزالهم وهوانهم، وفي هذا اشباع لشهوة السلطة والسيطرة في ظل سيطرة المال وتنحي الأخلاق عن الفكر الاقتصادي الراهن.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي