المعايير القانونية في الصياغات التشريعية / التنظيمية «1»
يتداول كثير من القانونيين مقولة منسوبة إلى الدوق أوتو فون بسمارك قوله فيها "القانون كالنقانق؛ من الأفضل عدم مشاهدة كيف يتم إعدادهما". بغض النظر عن التساؤلات عن سبب تلك المقولة، إلا أن مقولة بسمارك تُذكر في معرض التعليق الساخر لما يشتمل عليه إعداد القانون عامة من مراحل متعددة ونقاشات فكرية ومفاوضات وتحالفات معقدة.
تعتبر مرحلة إعداد القانون من أهم المراحل القانونية التي تشتمل في الإجمال على ثلاث خطوات أساسية، بدءا من تحديد الغرض من النظام، ثم دراسة ورسم السياسات العامة للنظام ومن ثم صياغة القانون.
إن دراسة وتحديد السياسات العامة المرجو تحقيقها من خلال النظام تعد من الركائز الأساسية التي بقدر وضوحها ودقتها تسهل على صائغي الأنظمة إنشاء قوالب متمثلة في نصوص نظامية تكفل تحقيق تلك السياسات. لذلك، فإن السياسات العامة للنظام تبنى اعتمادا على نوع الفلسفة المرجو تحقيقها من المعايير الشرعية والمدارس الفلسفية والمذاهب الفكرية والأفكار الاقتصادية.. إلخ، وقد تجتمع مجموعة من الأهداف في قانون معين. لذلك مرحلة إعداد القانون أو النظام يجب أن تتم بشكل جماعي يتضمن عددا متنوعا من المختصين في مختلف الفنون والعلوم من اللغويين والقانونيين والشرعيين والاقتصاديين والماليين.. إلخ.
وكما هو من المعلوم أن القانون يتميز أو يجب أن تتميز صياغته وقواعده بالتجريد، أي كون القواعد مجردة ملزمة على كل من أو ما ينطبق عليه أوصاف أو معايير ذلك النظام. لذلك، يعمد المشرعون أو صائغو القوانين عند صياغة القوانين إلى بناء لغة التشريع على معيار محدد قابل للقياس عليه أو تطبيقه نسبيا، ما يسهل تطبيقه ومراقبة تنفيذه من قبل السلطة التنفيذية وتفسيره من قبل السلطة القضائية، إضافة إلى سهولة فهمه ومن ثم تطبيقه من قبل المشمولين بالنظام. وبالتالي لكي يكون القانون أكثر فاعلية في التطبيق وأقل عرضة للنزاع حول تفسيره وتنفيذه، يلزم أن تكون العبارات منتقاة بعناية كبيرة، حيث تكون من التجريد الذي يكفل تحقيق غرض المشرع أو المنظم من غير أن تكون العبارات عامة عموما لا نهاية لتفسيراته. هذا لا يعني القول إن تعدد التفسيرات للقانون هو أمر سلبي بل ربما يكون محمودا في حالات، وقد يكون مقصودا للمنظم/ المشرع أن تتعدد التفاسير لأغراض عديدة كاستيعاب النص النظامي لحالات جديدة أو مستحدثة أو لترك مساحة للسلطة التنفيذية أو القضائية.. إلخ.
من النماذج على عموم النص النظامي مما يكشف عن تساؤلات تستدعي إما النظر في الصياغة وإما النظر في التطبيق العملي لهذا النص النظامي ـــ ولكل خيار من هذين الخيارين أدواته النظامية في التحسين من فاعلية تطبيقه ـــ هو نموذج نظام المحاماة السعودي في تعريفه لمهنة المحاماة.
عرفت المادة الأولى من نظام المحاماة أن مهنة المحاماة تعني: ".. الترافع عن الغير أمام المحاكم وديوان المظالم، واللجان المشكلة بموجب الأنظمة والأوامر والقرارات لنظر القضايا الداخلة في اختصاصها، ومزاولة الاستشارات الشرعية والنظامية، ويسمى من يزاول هذه المهنة محاميا".
هذه المادة لم تقدم تعريفا دقيقا شاملا لكل ما يرتبط بمهنة المحاماة، لذلك هذه المقالة ستلقي الضوء فقط على تساؤلات متفرقة على عبارة "ومزاولة الاستشارات الشرعية والنظامية"، وبالتالي تظهر التساؤلات التالية:
أولا: إن المادة في تعريفها لم تنص على أنه من قام بأحد الأعمال التالية يعد مزاولا لمهنة المحاماة، وبالتالي تكون الواو العاطفة هنا موضع إشكال، وهو هل المقصود هنا أنه يعد ممارسا لمهنة المحاماة من قام بتلك الأعمال كلها مجتمعة أو بعضها؟ ثم من قام بأحد الأعمال المنصوص عليها لا على سبيل الاعتياد والمزاولة هل يعد ممارسا لمهنة المحاماة؟
ثانيا: من خلال إدراج هذه العبارة في تعريف مهنة المحاماة ـــ وهي مهنة تتطلب ترخيصا وفقا لنظام المحاماة ــــ فإنها تشمل كل من يزاول أعمال الاستشارات القانونية والشرعية، وبذلك نكون مواجهين بتساؤلين بهذا الخصوص: 1 - من زاول أعمال الاستشارات القانونية في الشركات تحت مسمى وظيفة ـــ مستشار قانوني ـــ يلزم قيامه بممارسة مهنة المحاماة، وبالتالي يترتب عليه وجوب حصوله على ترخيص بمن في ذلك مستشارو الدوائر الحكومية من غير من يسمى "الممثلين النظاميين". 2 - من يقدم استشارات شرعية بمن في ذلك مستشارو الهيئات الشرعية في المصارف وغيرها يجب عليهم الحصول على ترخيص مهنة محاماة؟ التساؤل الثاني يظل مقبولا بغض النظر عن كون الاستشارة الشرعية تقدم بعوض أو دون عوض، حيث أطلقتها المادة ولم تقم بأي تخصيص أو تحديد لمعنى الاستشارة.
هذه الإشارات السريعة علها أن تكون إحدى الخطوات للنقاش القانوني البناء الذي يسهم في تحسين فعالية وتنفيذ الأنظمة.