باب الصدقات
أذكر أن أحد جيراني ممن أكرمهم الله بسعة الرزق تم تنويمه بعد أن قرر الأطباء أنه لا بد أن يخضع لجراحة في قلبه. كانت الجراحة خطيرة خصوصا في سن الرجل الذي تجاوز الـ 80. إضافة إلى أن الجراحة تستدعي فتح قفصه الصدري وهو يعاني أصلا مرض السكري. المهم أنه كان بانتظار أن يجري الجراحة في اليوم التالي، ولاحظ في الممر رجلا من جنسية عربية يقطع الممرات جيئة وذهابا بقلق بالغ.
طلب الرجل من ابنه أن يستعلم عن حال الشخص الذي رق لحاله، فكشف له أن ابن الرجل وهو طفل لم يتجاوز العاشرة في حاجة إلى جراحة الرجل المسن نفسها وأن الوالد لا يملك المال لإجرائها وأنه كان يحاول البحث عمن يقرضه المال لإجراء الجراحة ويتصل بالجميع، ولكن ما من مجيب أو معين.
طلب الرجل من ابنه أن يدفع تكاليف الجراحة، فاعترض ابنه لأنها تتجاوز الـ 50 ألف ريال، فأمره أن يدفعها من ماله الخاص، وهو الذي تعود أن يتصدق في حياته العامة منذ عرف نفسه وعرفه الناس. المهم أن الابن دفع تكاليف العملية الجراحية أمام سعادة وشكر والد الطفل وعائلته كلها، ودعواتهم للمتصدق الكبير.
قام الأطباء في اليوم التالي بإجراء التحاليل والأشعة التي تسبق العملية ولفرط عجبهم اكتشفوا أن الأب لم يعد بحاجة إلى الجراحة، فسبحان من شفاه بدعوة محتاج. هذه قصة عشتها شخصيا وأعرف بطلها الرجل الذي توفاه الله بعد القصة بما يقارب عشر سنين.
تذكرت القصة وأنا أقرأ عن ممرضة رقت لحال طفلة لم تجد من يتبرع لها بجزء من الكبد لإنقاذها من موت محقق، فتبرعت الممرضة بجزء من كبدها لإنسانة لا تعرفها وهذا بيت القصيد. الصدقة التي يراد بها وجه الله تعالى منجية لا شك من نوائب الدنيا وفيها من الخير الكثير لآخرة الإنسان.
لقد أثبتت هذه الممرضة أن الخير في أمة محمد إلى قيام الساعة وأنه ليس بالمال وحده يتصدق الإنسان، بل إن بعض الصدقات أغلى بكثير من الصدقة بالمال. أسأل الله أن يثيب هذه الإنسانة التي أعادت إلى الذاكرة ما كانت تعرف به الممرضات وهن "ملائكة الرحمة" اللاتي يسهرن على المرضى، فإن فعلن ابتغاء مرضاة الله فما أعظم ثوابهن.