تجديد نماذج الأعمال
من المتوقع أن يتغير كثير من نماذج الأعمال السائدة استجابة لتحديات الواقع. بدأت عمليا بعض المؤشرات بالظهور تبعا للتشريعات الجديدة أو التغييرات التقنية المستمرة. وسواء كان التغيير لتنويع مصادر الدخل أو لتوليد مزيد من الوظائف أو استجابة لأوضاع اقتصادية آنية.
الظروف التي سمحت بأن تستمر بعض الأشكال والترتيبات الربحية اختفت، وهذا يعني أن الواقع سيختلف كذلك. المشكلة الأساسية في نظري ليست في جهلنا بالحلول، ولا في استحالة تنفيذها، وإنما في التأخر المكلف جدا على جميع الأطراف.
سأفترض جدلا أن هناك تحركات جدية من بعض الجهات المسؤولة للتناغم مع ما يحصل دوليا من تطورات واستغلالها لتحسين الواقع محليا. ولمحاولة الفهم سأتحدث عن عدد بحثي خاص صدر أخيرا بالاشتراك بين كلية هارفاد للأعمال ومجلة "إم آي تي سلون" مستعرضا أبرز ما جاء فيه من تفاعلات بين اللاعبين الكبار والأسواق الناشئة سريعة النمو، والمؤثرة جدا في الجميع.
تستفتح الورقة الأولى بالحديث عن الابتكار المشترك بين شركات الأسواق الناشئة ودول العالم الغربي، وتستخدم تجربة شركة هواوي الرائدة في صنع الشراكات الاستراتيجية مع الحكومات والشركات الكبرى في أوروبا. تطرح الورقة سؤالا بعد استعراض تجربة "هواوي" وتجاوب عليه، كيف يمكن للشركات في الدول النامية المنافسة في أسواق التقنية حول العالم؟ يكمن الجواب في ثلاث خطوات: طرح حلول مخصصة لفئة غير اعتيادية من العملاء مثل ذوي الحاجات الماسة، تطوير ولاء العملاء بإشراكهم في الابتكار، وضم مزيد من شركاء الابتكار على مستوى الدول وزملاء الصناعة. وتنتقل الورقة الثانية في العدد ذاته باستعراض تاريخي لنماذج الأعمال السائدة في قارة آسيا خلال القرن الأخير. يستنتج هذا الاستعراض أن النجاح حليف نماذج الأعمال المتجددة المبنية على الابتكار وليست تلك التقليدية المبنية على الكفاءة. ماذا يعني هذا؟ أي أن محاولات إعادة طرح المشاريع بالتركيز على التقليل من التكاليف وتصميم نموذج العمل بشكل يحافظ على الربحية أولا سيقلل من القيمة التي ينتظرها العميل، وهذا الأسلوب تحديدا لن يكون مدخلا للنجاح في الدول النامية سريعة النمو التي يصبح مستهلكوها أذكى في كل يوم. يكمن المدخل الأفضل دون شك في إعادة تقديم الأعمال بأشكال وأساليب مبتكرة تحقق القيمة التي ترضي العميل وتربح المستثمر في الوقت نفسه.
أما الورقة الثالثة فهي تتحدث عن استخبارات الأسواق أو المعلومات السوقية التي تصبح اليوم أمرا ثمينا جدا، ولكنه في الوقت نفسه متاح لمن يبحث عنه، فمن الغباء تجاهل مثل هذا الأمر. على الرغم من أن الورقة مصوغة بطريقة موجهة للشركات العالمية الكبرى وكيفية استفادتها من المعلومات السوقية في الاقتصادات الناشئة سريعة النمو، إلا أنها تبين بكل وضوح أهمية هذا الجانب الحيوي جدا الذي يزداد رشاقة ووقعا مع التطورات التقنية، مثل الـ Big Data، الذي تتجاهله مع الأسف حكومات الاقتصادات الناشئة نفسها. النصائح الثلاث التي تضعها الورقة تنحصر في التعامل مع المعلومات السوقية كأصل استراتيجي، توزيع مسؤوليات التعامل مع هذه الثروة المعلوماتية على مستوى المنشأة، وتنويع مصادر ووسائل الوصول إلى المعلومات السوقية. تشير الورقة إلى أن ضعف المعلومات السوقية في الأسواق الناشئة لا يقلل من أهميتها، وإنما يطرح حلولا أخرى مثل استخدام بدائل متعددة للوصول إلى المعلومة نفسها.
المحور الأخير الذي يتناوله هذا العدد الخاص يتناول التفاعلات المحتملة بين الشركات الناشئة في الدول النامية وبين الشركات العالمية متعددة الجنسيات. وبالنسبة لهما ــــ أي الشركات العالمية ـــ هناك فرص كبيرة في الدول النامية ومواطن حقيقية للاستثمار المجدي تتيحها الشركات الناشئة التي تحاول باستخدام حريتها ومرونتها الاستثنائية، مقارنة بالشركات المحلية التقليدية، حل المشكلات المحلية بإمكانات قليلة وطموحات غير محدودة. لهذا يصنع التفاعل هنا مزيجا فريدا للنجاح تندمج فيه القوة والإمكانات مع الابتكار والبيئة الخصبة وقاعدة النمو الجذابة. المهم، ألا تقف الحكومات عائقا في طريق هذا التفاهم. تطرح الورقة الأخيرة أمثلة لأعمال قامت بها شركات مثل "آي بي إم" و"مايكروسوفت" و"أمازون" و"ساب"، سواء بإنشائهم معامل للابتكار أو بدعم حاضنات الأعمال.
تتناول مراكز البحوث الغربية تطورات وتأثيرات الدول النامية والأسواق الناشئة باهتمام بالغ، ولكن يؤخذ عليهما التعميم بين هذه الدول؛ الصين والهند مثلا تعتبران من الحالات الخاصة جدا غير القابلة للمقارنة بأي دولة آسيوية أو إفريقية أخرى لا في سعة السوق ولا خصائص النمو. يظل عديد من الظواهر التي تحدث حولنا دروسا قابلة للتعلم. وبدلا من أن نضيع السنوات في جدل داخلي لا فائدة منه حول المشكلات الدائمة والحلول البطيئة، أرى تجديد نماذج العمل بشكل استباقي وتشجيع ذلك بتكاتف الجميع بحثا عن النماذج المبتكرة ودعمها محليا وترويجها دوليا. هذا هو الحل الأسرع والأمثل لعدد كبير من تحدياتنا الاقتصادية، وليس دعم المشاريع التقليدية والاكتفاء بتمويلها كإنجاز مؤقت محدود المنافع.