الصلة بين البطالة والأجور وكيف تغيرت
العلاقة وعلى مدى عقود بين البطالة والأجور عكسية. تجنح الأجور إلى الارتفاع حين تكون البطالة منخفضة، والعكس بالعكس. والكلام نفسه ينطبق على العلاقة بين البطالة والأسعار أو التضخم. والسبب أنه مع ازدياد البطالة تضعف قدرة وضغوط العاملين للحصول على زيادات أجرية. وارتفاع البطالة يعني أيضا ضعف الطلب على السلع، وضعف الطلب مؤشر على ضعف النمو الاقتصادي، وهذا بدوره يعني أن الأرباح متدنية، لا تغري المنشآت بزيادة الأجور.
والعكس بالعكس: مع ارتفاع الطلب الكلي "مجموع ما يطلبه الناس من السلع والخدمات"، فإن المنتجين يوظفون مزيدا من القوى العاملة، ليتمكنوا من زيادة الإنتاج، وزيادة الطلب على العمل، تتسبب في رفع أجور العمال، وهذا بدوره يعمل على ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهذا الرفع يتسبب في رفع أسعار المنتجات من سلع وخدمات.
أصبح الكلام السابق وفي السنوات الأخيرة على المحك.
ظهرت في السنتين الأخيرتين وفي أسواق العمل في دول ذات اقتصادات متطورة وصاعدة علامات على قدر من التعافي من الركود الذي أصاب هذه الاقتصادات والذي جلبته الأزمة المالية العالمية التي وقعت قبل نحو عشر سنوات. ويسمى أحيانا الركود الكبير، تمييزا له عن غيره من الركودات الخاصة بدولة بعينها.
من أكثر علامات التعافي تراجع معدلات البطالة. ورغم هذا التراجع الملحوظ، فقد كان نمو الأجور ضعيفا. وهذا جر إلى سؤال كبير: لماذا لم ترتفع الأجور مع ارتفاع الطلب على اليد العاملة؟
أثار تقرير صندوق النقد الدولي آفاق الاقتصاد العالمي، عدد تشرين الأول (أكتوبر) 2017 هذا السؤال. وتبعا أجريت بحوث للتعرف على مصادر النمو الضعيف للأجور خلال السنوات التي أعقبت الركود الكبير، خاصة في الاقتصادات الأكثر تطورا. هذا التعرف أبعد من مجرد فهم ضعف الصلة بين البطالة والأجور. بل يحاول الغوص لفهم آفاق وظروف ضعف المساواة في توزيع الدخل وضعف تحسين الأمن الوظيفي للعاملين.
بدأ نمو الوظائف يتحسن في كثير من الحالات وعادت معدلات البطالة الكلية إلى مستويات ما قبل الركود الكبير. ولكن نمو الأجور لا يزال أقل بكثير مما كان عليه قبل الركود. وظهرت جهود علمية تحاول تفسير ما حدث. وانتهت هذه الجهود إلى وجود عوامل ذات طابع دوري وهيكلي تعمل على بطء حركة الأجور.
لوحظ مبدئيا أن هناك سياسات متعمدة لإبطاء نمو الأجور. لماذا؟ تطورت قناعات أن المستويات المرتفعة للأجور غير قابلة للاستمرار. من أوضح الأمثلة ما حدث في بعض بلدان أوروبا.
وهنا مزيد تفصيل؛ لوحظ التزايد في تراخي سوق العمل، بصورة عرض العمالة الزائد على الحجم الذي ترغب الشركات في توظيفه، حتى مع وجود نمو اقتصادي. وتفسير هذا التراخي صار أصعب مقارنة بالسابق. من أسباب هذه الصعوبة انخفاض متوسط ساعات العمل للعامل، وارتفاع معدلات العمل بدوام جزئي، وزيادة نسبة عقود العمل المؤقتة.
هناك عامل جوهري مؤثر في نمو الأجور، وهو تباطؤ نمو الإنتاجية. هذا التباطؤ يترجم إلى ضعف إنتاج العامل في الساعة. وهذا بدوره يقلص ربحية الأعمال ما يعوق نمو الأجور في نهاية المطاف حيث تصبح الشركات أقل رغبة في تحمل أي زيادات سريعة في تعويضات العاملين.
عامل آخر أيضا وهو التوسع في التحول إلى النظم الآلية في عمل المنشآت. ويمكن التعرف على مستوى هذا التحول من انخفاض نسبي في السعر النسبي للسلع الاستثمارية مقارنة بالعمل. لكن بحوث صندوق النقد الدولي أشارت إلى أن هذا التحول بطيء الحركة، ما يعني أن مساهمته قد تكون ضعيفة نسبيا في تفسير حركة الأجور خلال السنوات التي أعقبت الركود الكبير.
لوحظ أيضا تغيرات في العلاقات بين الشركات والعاملين. هذه التغيرات تعكس التحولات الأساسية في الاقتصاد، التي سماها البعض "اقتصاد العربة gig economy . وتعني كثرة التعاقد مع موظفين مستقلين، عن منظمات عمالية مثلا، بعقود قصيرة الأجل. وأسهم التطور التقني في انتشار اقتصاد العربة، حيث يمكن أداء أعمال كثيرة من أي مكان.
ماذا يعني ما سبق بالنسبة لصناع السياسات خاصة الحكوميين؟
نحن بحاجة إلى تكثيف الجهود لمعالجة مواطن الضعف التي تواجه العاملين بدوام جزئي أو عن بعد. وهذا موضوع طويل يستحق اهتماما قويا.