الموازنة بين اعتبارات الكفاءة والعدالة «2»

تتذكر برتراند أن ردود الفعل الأولى في شيكاغو تجاه عملها لم تكن مشجعة للغاية، ولا سيما أبحاثها حول انتشار التمييز العنصري. وقالت في مقابلتها مع مجلة "التمويل والتنمية" "في شيكاغو، عليك أن تثبت قدرتك على المثابرة"، في إشارة إلى شخصيتها العنيدة المعروفة بها في المناقشات والجدالات، وواصلت مسارها دون كلل ونجحت في تحقيق مبتغاها. وخصصت لها كلية بوث مساحة لدراسة اقتصادات العمل وتمويل الشركات، وهما المجالان الرئيسان اللذان تتركز فيهما أبحاث برتراند. كذلك تعجب برتراند بطبيعة كلية بوث التي تتسم بتعددية التخصصات والشمول. وتقول "في هذا المكان يمكنني العمل مع أطباء نفسيين في مبنى واحد يضم أيضا جين فاما وديك ثالر الفائزين بجائزة نوبل، وقد اشتهر فاما بعمله في مجال كفاءة الأسواق المالية، وثالر بأبحاثه حول مختلف اختلالات هذه الأسواق.
في حين كان عمل برتراند في مجال عدم المساواة العرقية هو سبب شهرتها في البداية، ذاع صيتها فيما بعد بفضل أبحاثها حول عدم المساواة بين الجنسين. وتشير إلى أن هناك اختلافات بين هذين النوعين من التمييز. ويصعب إنكار "الدور الرئيس للتعصب" في تفسير التمييز العنصري. في المقابل، تقول برتراند في إحدى كتاباتها إن التمييز على أساس الجنس في مكان العمل ليس هو التفسير الرئيس لعدم التكافؤ المهني بين النساء وأزواجهن من حيث الدخل والترقي إلى المناصب العليا. وهي لا تنكر بذلك وجود التمييز على أساس الجنس، بما في ذلك في مهنتها، وهو ما وثقته في مسح تم عرضه على الرابطة الاقتصادية الأمريكية عام 2019.
غير أن برتراند أشارت إلى أن التفسير المعتاد والأهم للفجوات بين الجنسين يكمن في الإنجاب ورعاية الأطفال، فقد وثقت في دراساتها المفصلة وجود تقارب في المسيرة المهنية للنساء الحاصلات على تعليم جامعي وأزواجهن حتى ولادة الطفل الأول. وتضيف قائلة "يتراجع دخل الأمهات بحدة عقب ولادة الطفل الأول مباشرة، ولا يعود إلى سابق مستواه مطلقا". وينطبق ذلك أيضا حتى على النساء الحاصلات على شهادات مهنية مرموقة. فقد أثبتت برتراند من خلال دراسة أجرتها بالتعاون مع كاتز وكلوديا جولدن، أن خريجات برامج ماجستير إدارة الأعمال المرموقة عادة ما يعملن لساعات أقل وتتعطل مسيرتهن المهنية عقب إنجاب أطفالهن. وتقول إن النساء يواجهن صعوبات أكبر في تلبية متطلبات الوظائف الأعلى أجرا من حيث التعامل مع المواعيد غیر المرنة والالتزام بساعات عمل أطول يوميا، كما هو الحال في القطاع المالي، على سبيل المثال، نظرا لأن المرأة تظل هي المسؤولة عن الجزء الأكبر من جميع المهام المنزلية، بما في ذلك تربية الأبناء.
وتتفق هذه النتائج مع أبحاث راتنا ساهاي، المستشارة الأولى لمدير عام صندوق النقد الدولي المعنية بالقضايا المرتبطة بنوع الجنس، التي أثبتت أن النساء حول العالم لا يتمتعن بالتمثيل الكافي "على جميع المستويات في النظام المالي العالمي، بداية من المودعين والمقترضين حتی أعضاء مجالس الإدارات والجهات التنظيمية". وأجرت ساهاي دراسات مشتركة مع مارتن سيهاك وآخرين من صندوق النقد الدولي، خلصت من خلالها إلى أن النساء يمثلن أقل من 5 في المائة من الرؤساء التنفيذيين للمؤسسات المالية، وأقل من 25 في المائة من أعضاء مجالس إدارات البنوك. وتقول ساهاي "هذا هو الواقع رغم أن البنوك التي تمثل النساء نسبة أكبر من أعضاء مجالس إداراتها كانت تدار على نحو أكثر كفاءة".
وتشير برتراند إلى الخسارة المجتمعية الكبيرة الناتجة عن "سوء توزیع رأس المال البشري" بهذا الشكل... يتبع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي