الجمعة, 4 أَبْريل 2025 | 5 شَوّال 1446


التعاون الدولي وتحديات الكساد «1 من 2»

عندما افتتح هنري مورجنثاو، وزير الخزانة الأمريكي، مؤتمر "بريتون وودز" منذ نحو 80 عاما، ذكّر المندوبين بأن فشل التعاون الدولي أدى إلى الكساد الكبير، والانقسام الاجتماعي، والحرب في نهاية المطاف. وفي الختام، قال إن "الرفاهية، مثلها مثل السلام، لا تقبل القسمة، ولا يمكننا أن نقبل انتشارها هنا أو هناك بين المحظوظين.. فالفقر، أينما وجد، يهددنا جميعا".
إن هذه الرسالة صالحة لكل الأزمنة، فنحن نواجه مرة أخرى تحديات عالمية لا يمكن مواجهتها إلا عن طريق التعاون الدولي، إذ تعاني أجزاء كبيرة من العالم النامي الإقصاء من الرخاء العالمي. كما أن الفقر المدقع آخذ في الازدياد، والمكاسب التي تحققت بشق الأنفس في مجالات الصحة والتعليم والتغذية مهددة، والتفاوتات الاقتصادية الفاحشة بالفعل بين البلدان وداخلها آخذة في الاتساع. أضف إلى ذلك أن باب الفرص المتاحة لتجنب كارثة مناخية على وشك أن يغلق. ومع ذلك، فإن التعاون متعدد الأطراف مشلول بسبب التهاون، والتنافسات التافهة، والقومية المتقوقعة.
لقد أتاحت اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لهذا العام، فرصة لتعبئة التمويل اللازم لمنع الارتداد الكامل للتقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030. في المقابل، وصلت الحكومات الغربية ومجموعة العشرين إلى مكان الاجتماع دون أجندة مشتركة، وأمضت أسبوعا في تبادل الأفكار المبتذلة، وقدمت للعالم مجموعة من التصريحات الغامضة وغير المتماسكة.
ولا يمكننا تقبل فشل بهذا الحجم في القيادة، بل يجب أن يكون صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهما الركيزتان المتلازمتان لنظام "بريتون وودز"، في قلب التعاون الدولي في الاستجابة للتحديات الحاسمة التي تواجه جيلنا، بدءا من الانتعاش ذي الشقين من الانكماش الاقتصادي الناجم عن فيروس كورونا المستجد كوفيد - 19.
وعلى عكس الاقتصادات المتقدمة، التي تعافت بفضل التمويل الحكومي الهائل وبرامج التطعيم، عانى عديد من الاقتصادات النامية آثارا عميقة. فقد تباطأ النمو، وتراجعت عائدات الضرائب، وأصبح ثلثا البلدان المنخفضة الدخل إما معرضة للديون أو تحت وطأتها. وحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، ستحتاج أشد البلدان فقرا إلى 450 مليار دولار إضافية للعودة إلى مسارات التنمية التي كانت تتبعها قبل انتشار الوباء.
وتحد ضغوط الميزانية من قدرة الحكومات على الدفاع عن مكاسب التنمية البشرية، إذ دفع الوباء نحو 100 مليون شخص إلى براثن الفقر المدقع. ومن المقرر أن يرتفع هذا الرقم بسبب تقليص شبكات الضمان الاجتماعي، وحرب روسيا في أوكرانيا التي تعزز تضخم أسعار الغذاء، ما يزيد من شبح سوء التغذية المتزايد، أو حتى المجاعة في بعض أنحاء العالم. إن أكثر من 40 دولة من الأشد فقرا تنفق على خدمة ديونها أكثر مما تنفق على الصحة العامة. كما أن ميزانيات التعليم آخذة في التراجع حتى مع عودة الملايين من الأطفال الأشد حرمانا في العالم إلى الفصول الدراسية حاملين معهم ما لحق بهم من خسائر في التعلم أثناء إغلاق المدارس بسبب الوباء.
وفي ظل هذه الخلفية القاتمة، اكتسب التعاون الدولي لتمويل "تعافي أهداف التنمية المستدامة" درجة جديدة من الإلحاح. وحسب تقديرات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، فإن فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة، التي كانت متسعة بالفعل قبل انتشار الوباء، زادت بمقدار 1.2 تريليون دولار، هذا دون احتساب الاستثمارات الإضافية البالغة تريليوني دولار سنويا اللازمة لدعم استثمارات الطاقة المتجددة في البلدان النامية من أجل تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015.
وعندما التزمت الحكومات بجدول أعمال أهداف التنمية المستدامة قبل سبعة أعوام، تعهدت باتباع نهج جديد وجريء لتمويل التنمية من شأنه تحويل "المليارات إلى تريليونات". وأنشأ مهندسو نظام "بريتون وودز" وسيلة للقيام بذلك في شكل بنوك تنمية متعددة الأطراف... يتبع.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي