هل سيمسك العرب بزمام الخوارزمية؟

كانت مبادرة جميلة تلك التي قامت بها جامعة السلطان قابوس في عُمان بعقدها مؤتمرا دوليا حول حاضر ومستقبل ثورة الذكاء الاصطناعي التي نشهدها حاليا، والتي يبدو أنها لن تترك مضمارا في حياتتا إلا وستقلبه على عقبيه.
كان المؤتمر ذا توجه عالمي، بيد أن التركيز على مدى ثلاثة أيام (17-19 نوفمبر) التي جرى فيها عرض أكثر من 60 بحثا علميا انصب في أغلب حلقاته على واقع الثورة الخوارزمية في الدول العربية وتأثيرها في الاتصال والإعلام والصحافة العربية.
ثورة الذكاء الاصطناعي انقلاب كبير يشهده العالم، وتأثيرات هذه الثورة صارت محسوسة ليس على مستوى الشركات والمؤسسات فحسب، بل على المستوى الشخصي.
من النادر أن بقي أمرؤ على وجه البسيطة إلا ومسته هذه الثورة برذاذها المتطاير الذي يزداد كثافة من يوم إلى آخر، إذ يبدو أنه لا سقف لما يمكن أن يصله تطور الذكاء الاصطناعي.
لن يكون بمقدوري منح المؤتمر العلمي الذي عقدته جامعة السلطان قابوس حقه في مقال أسبوعي واحد. تغطية أحداث علمية كبيرة مثل هذه تحتاج إلى سلسلة مقالات وكذلك إلى تغطية إعلامية على مستوى الوسائل الإعلامية العربية الكبيرة، التي مع الأسف الشديد كان غيابها ملحوظا ومحبطا.
وشخصيا لست في وارد إغداق المديح على المؤتمر، رغم أن الإنصاف يقول إنه يستحق ذلك. بيد أن الكتابة عن أحداث علمية تتناول ثورة ذكية تكاد تطيح بكل ما ألفناه تحتاج أكثر ما تحتاج إلى إشغال العقل وإعمال الفكر، بمعنى أنها فرصة للمحاسبة والنقد الذاتي وليس الإطراء.
هناك شؤون في هذه الثورة أخشى أن غيابها -وعلى الخصوص في الأروقة العلمية والأكاديمية العربية- قد يكون بمنزلة رسالة سلبية إلى العالم الخارجي أولا، وإلى الشباب العربي الذين يشكلون في أغلب الأقطار العربية النسبة العمرية الأكبر من السكان ثانيا.
في أي ندوة أو مؤتمر أو حتى مقرر مدرسي أو جامعي عن الذكاء الاصطناعي وفي أي بلد عربي أو جامعة عربية يجب التذكير لا بل التأكيد على أن هذه الثورة في الأساس عربية وإسلامية المنشأ، وأن أول خوارزمية في الدنيا جرى بناؤها في بغداد إبان العصر العباسي على يد العالم الرياضي الشهير محمد بن موسى الخوارزمي.
وثورة الذكاء الاصطناعي التي تبهرنا اليوم ما هي إلا خوارزميات، والخوارزمية اشتقاق لفظي لاتيني من لقب العالم الجليل محمد بن موسى الخوارزمي، وما نشاهده في الحقيقة والواقع هو ثورة خوارزمية وليس ثورة في الذكاء الاصطناعي؛ بدون الخوارزمية ليس هناك ذكاء اصطناعي.
ونحن اليوم لسنا أمام ثورة صناعية تقليدية. لنأخذ أي منتج ذكي أو فيه بعض من الذكاء الاصطناعي. الأدوات المنزلية ووسائل النقل تتألف من أشياء غير ناطقة (لا تفكر) مثل الحديد والمطاط وغيره، ومن أشياء ناطقة (تفكر) مثل الخوارزميات التي تقود السيارة ذاتيا في الشوارع والقنابل في ساحة المعركة، ولها مقدرة فظيعة على استخلاص النتائج والوصول إلى الأهداف أو الأغراض التي في ذهننا من مجموعة بيانات كبيرة قد لا تحصى، لخدمة أهدافنا وإستراتيجياتنا ومنافعنا.
وكلنا ندفع مبالغ كبيرة اليوم للحصول على المنتج الصناعي الحديث، لكن يجب علينا الفرز بين الأشياء غير الناطقة (التي لم تتم خورزمتها) والأشياء الناطقة (التي جرت خورزمتها). في الأولى نحن نملك الأشياء التي نشتريها وبإمكاننا التحكم فيها والسيطرة عليها، في الثانية نحن لا نملكها ولا نستطيع التحكم فيها رغم شرائنا لها ودفعنا مبالغ كبيرة للحصول عليها.
وعلينا اليقظة لأن الخوارزمية في طريقها للدخول والتأثير في أي منتج صناعي تقليدي، أي إنه لن يمضي وقت طويل حتى لن يكون هناك منتج صناعي على مستوى منضدة في صف دراسي إلا ويكون للخوارزمية دور مؤثر فيه.
الذي يبني الخوارزمية هو الذي يمسك بزمامها وناصيتها حتى وإن باعها إلى شخص آخر وقبض ثمنها. نحن نملك هواتف ذكية، لكن لا نتحكم ولا نملك ولا نسيطر على الخوارزمية التي تديرها.
وقس على ذلك أي منصة للتواصل الاجتماعي أو للذكاء الاصطناعي أو المنصات الذكية التي بإمكانها إنتاج المحتوى الإعلامي.
إن لم أقم بتشييد الخوارزمية، فلن يكون بمقدوري فرض أي أدبيات أو أخلاقيات أو ثقافات على المنتج والمحتوى، وأي حديث في هذا الاتجاه لا طائل منه.
بالنسبة إلي كان مؤتمر جامعة السلطان قابوس ناقوس إنذار للجامعات العربية كي تنهض من سبات طويل وتشرع في بناء الخوارزميات التي عسى أن تمكن الدول العربية من تشييد منصات خوارزمية (ذكية)، تنتج المحتوى الذي يستجيب للأدبيات العربية والإسلامية.
من المحزن ألا يكون للعرب منصة مقابلة مثلا لمنصة إكس (تويتر سابقا)، وقس على ذلك بقية المنصات الخوارزمية التي لها اليد الطولى في التأثير في المحتوى الذي تقدمه، وعليه ومن خلاله، شئنا أم أبينا، توثر في كيفية تشغيل فكرنا وإعمال عقولنا.
الخوارزمية شيء ناطق لم يشهد العالم له مثيلا، وستكون رائدة الصناعة والتكنولوجيا من الآن وإلى أن يشاء الله.
الذي يبني الخوارزمية الاصطناعية هو الذي سيحمل الدنيا على كفه ويدور بها، ويقرر قبلة ووجهة نظرنا والمسار الذي يجب أن نخطه فكرا وقولا وعملا.
آن الأون لأن يمسك العرب بزمام وناصية الخوارزمية التي ظهرت أول بذرة لها في أوطانهم قبل أكثر من ألف سنة، لكنها أخذت تنمو في أرض غير أرضهم وتعطي من الثمار الوفيرة ما جعل القيمة السوقية لشركة خوارزمية أمريكية واحدة تساوي تقريبا قيمة الإنتاج المحلي الإجمالي لدولة عظمى مثل ألمانيا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي