نحو اتحاد اقتصادي أمريكي شمالي

بَـلَـغَـت التوترات التجارية والسياسية بين الولايات المتحدة وجارتيها المباشرتين، كندا والمكسيك، أعلى مستوياتها تاريخيا، وهذا يثير المخاوف من اندلاع حرب تجارية تامة النطاق وانهيار اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التي كانت ذاتها إعادة تفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. وفقا لتصريحات الرئيس دونالد ترمب، من الممكن أن تبذل كل من كندا والمكسيك مزيدا من الجهود لكبح جِـماح تدفق المهاجرين والفنتانيل. علاوة على ذلك، بما أن كلا منهما تدير فائضا تجاريا كبيرا مقابل الولايات المتحدة، فإنه يتهم البلدين بمزاولة ممارسات تجارية غير عادلة، وبأنهما يشكلان موطئ قدم للمصدرين الصينيين الذين يسعون إلى التحايل على الرسوم الجمركية الأمريكية.
لكن ترمب لا يكتفي بالتشديد على هذه المخاوف. فبزعمه أن كندا يجب أن تتخلى عن سيادتها وتصبح الولاية الحادية والخمسين في أمريكا، وإعادة تسمية خليج المكسيك، والتهديد بشن عمليات عسكرية أمريكية ضد عصابات المخدرات داخل المكسيك.
في حين قد تكون النتيجة الأكثر ترجيحا إعادة التفاوض في نهاية المطاف على اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بما يؤدي إلى بعض زيادات متواضعة في التعريفات الجمركية ولكن مع الإبقاء على منطقة التجارة الحرة غالبا، فإن هذا السيناريو سيكون دون المستوى الأمثل. لحل المصادر الأساسية للتوترات، وتجنب النزاعات في المستقبل، وزيادة النمو والرفاهة في أمريكا الشمالية، ينبغي للبلدان الثلاثة البدء في صياغة خطط لاتحاد اقتصادي أمريكي شمالي: سوق واحدة مع تجارة حرة كاملة ليس في السلع فحسب ــ كما هي الحال في منطقة التجارة الحرة الحالية ــ بل أيضا في الخدمات، ورأس المال، والعمالة، والتكنولوجيا، والبيانات، والمعلومات.
من الواضح أن هذا لن يحدث بين عشية وضحاها. تتمثل الخطوات الأولى بعد الاتحاد الاقتصادي في مواءمة السياسات التنظيمية، حيث تتبنى المكسيك وكندا إلى حد كبير المعايير المعمول بها في الولايات المتحدة (أكبر الاقتصادات الثلاثة إلى حد بعيد)، ومواءمة السياسات الصناعية لإعادة توطين الإنتاج، والاعتماد على الأصدقاء، في سوق أمريكا الشمالية الموحدة الأكبر، والاتفاق على سياسات تجارية وتكنولوجية ومالية مشتركة لإزالة المخاطر في العلاقات مع الصين. ومن الممكن أن يتبع هذا في الوقت المناسب نظام سعر صرف ثابت ــ مثل آلية سعر الصرف الأوروبية المبكرة ــ واتحاد نقدي كامل (مثل منطقة اليورو) يسمح بمدفوعات سلسة عبر المنطقة. إن أمريكا الشمالية منطقة عملة مثالية ــ حتى بدرجة أكبر من منطقة اليورو ــ ومن شأن العملة المشتركة أن تنهي التوترات التجارية التي تنشأ عن التقلبات المنتظمة المزعزعة للاستقرار في أسعار الصرف التي تؤدي إلى تفاقم الاختلالات التجارية.
ثم يأتي بعد ذلك اتحاد مصرفي كامل، واتحاد أسواق رأس المال، وأشكال أخرى مختلفة من تقاسم المخاطر، على نحو يشير في النهاية إلى إمكانية إنشاء اتحاد مالي. في نهاية المطاف، قد تنشأ الحاجة أيضا إلى عناصر من السياسة الخارجية والدفاعية المشتركة لإدارة قضايا مثل الهجرة، وإنفاذ القانون، والمسائل المتعلقة بالمخدرات. وأخيرا، بعد بضعة عقود من الزمن، من الممكن أن تسمح هذه الترتيبات بنشوء شكل توافقي من الاتحاد السياسي ــ "الولايات المتحدة الأمريكية" ستصبح ولايات متحدة فيدرالية تشمل الأمريكتين ــ إذا وافقت جميع الأطراف على ذلك. ومن الممكن الحفاظ على السيادة، كما هي الحال في الاتحاد الأوروبي، ولكن في الأمد البعيد قد يتسنى تحقيق قدر أعظم من التنسيق السياسي لمجموعة من السياسات.
ولكن في الوقت الراهن، على الرغم من ذلك، يبدو الاتحاد الاقتصادي الكامل منطقيا تماما، نظرا لمدى الاندماج العميق الذي أصبح عليه اقتصاد أمريكا الشمالية بالفعل. علاوة على ذلك، يجلب كل طرف مزايا (واحتياجات) فريدة من نوعها إلى طاولة المفاوضات.

خاص بـ"الاقتصادية"

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2025.

www.project-syndicate.org

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي